تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإحاطة في أخبار غرناطة — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
لو ظائف الأبواب السلطانية ، متوقد الذهن ، ذلق الجوانب ، مشغوفا بالأنس والمفاوضة في الأدب ، محسنا للنادرة الظريفة ، مليح الدّعابة ، غزير الحفظ ، غيورا على الخطّة ، كثير النشاط إلى المذاكرة ، مع استغراق الكلف ، وعلو السن . طال به المرض حتى أذهب جواهر بدنه ، وعلى ذلك فما اختلّ تميّزه ، ولا تغيّر إدراكه . بعثت إليه باكور رمّان ، فقال لي من الغد ، نعم بالهدنة زمانك ، يعني نعمت الهدية رمّانك . فعجب الناس من اجتماع نفسه ، وحضور فكره . وهو شيخي الذي نشأت بين يديه وتأدبت به ، وورثت خطّته عن رضى منه . كتب عن الدول النصرية نحوا من خمسين سنة أو ما ينيف عليها ، متين الجاه ، رفيع المكانة ، بعيد الصيت ، وسفر إلى الملوك ، واشتهر بالخير ، والحمل على أهل الظلم ، وجرى ذكره في التاج بما نصّه « 1 » : صدر الصّدور الجلّة ، وعلم أعلام هذه الملّة ، وشيخ الكتابة وبانيها « 2 » ، وهاصر أفنان البدائع وجانيها ، اعتمدته الرياسة ، فناء « 3 » بها على حبل ذراعه ، واستعانت به السياسة ، فدارت أفلاكها على قطب من شباة يراعه « 4 » ، فتفيّأ للعناية ظلّا ظليلا ، وتعاقبت « 5 » الدول فلم تر به بديلا ، من ندب على علوّه متواضع ، وحبر لثدي المعارف راضع ، لا تمرّ « 6 » مذاكرة في فنّ إلّا وله فيه التّبريز ، ولا تعرض جواهر الكلام على محاكاة « 7 » الأفهام إلّا وكلامه الإبريز ، حتى أصبح الدهر راويا لإحسانه ، وناطقا بلسانه ، وغرّب ذكره وشرّق ، فأشام « 8 » وأعرق ، وتجاوز البحر الأخضر والخليج الأزرق ، إلى نفس هذّبت الآداب شمائلها ، وجادت الرياض خمائلها ، ومراقبة لربّه ، واستباق لروح اللّه من مهبّه ، ودين لا يعجم عوده ، ولا تخلف وعوده . وكلّ ما ظهر علينا - معشر « 9 » بنيه - من شارة تجلى « 10 » بها العين ،
هامش
( 1 ) النص في الكتيبة الكامنة ( ص 183 - 184 ) ونفح الطيب ( ج 8 ص 397 ) . ( 2 ) في الأصل : « وبنيها » ، والتصويب من النفح . وجاء في الكتيبة الكامنة : « وبنيها ، ومتولّي أيام خدمتها وسنيها ، وهاصر . . . » . ( 3 ) في الأصل : « فنأى » والتصويب من المصدرين . ( 4 ) اليراع : القلم ، وأراد بالشباة طرف القلم الذي يكتب به ، وأصل الشباة طرف الرمح ونحوه . ( 5 ) في الكتيبة : « وتعاقبت دول العدل . . . له عديلا » . ( 6 ) في الكتيبة : « لا يمرّ الكلام في فن . . . » . ( 7 ) في النفح : « محكات » . وفي الكتيبة الكامنة : « جواهر الأفهام على ميدان الإبهام إلّا انتسب إليه الإبريز . . . » . ( 8 ) في النفح : « وأشأم » . ( 9 ) كلمة « معشر » ساقطة في الأصل ، وقد أضفناها من المصدرين . ( 10 ) في الكتيبة : « تحلّى » .
الإحاطة في أخبار غرناطة — صفحة 100 | لسان الدين ابن الخطيب