تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إثارة الترغيب والتشويق ( ويليه زيارة بيت المقدس لابن تيمية ) — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
ألا ربّ ذل ساق للنفس عزّة * ويا ربّ نفس بالتذلل عزّت سأصبر جهدي إنّ في الصبر عزّة * وأرضا بدنياي وإن هي قلّت
وقيل : تجرع الصبر فإن أفناك أفناك شهيدا ، وإن أحياك أحياك عزيزا . وقال الأصمعي : رأيت أعرابيا في البادية بيده سيف مسلول ظننت أنه سكران ، وقال لي : يا حضرى انزع ثيابك ، ولا تجعل بيتك خرابا بموتك ، فقلت له : أتدري من أنا ؟ فقال لي : ليس عند قطاع الطريق معرفة ، ولو عرفتك أنكرتك وجهلت معرفتك ، فقلت له : أما تعلم أن اللّه تعالى يطالبك بما تفعل ؟ فقال : لا بد من الرزق كما لا بد من الموت ، إن طالبنى بما أفعل طالبته برزقي ، فقلت له : كأنك تطلب رزقك في الأرض ؟ قال : فأين أطلبه ؟ فقلت له :
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ
« 1 » فرمى السيف من يده وقال : أستغفر اللّه ، رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض ، فإذا برغيفين طائرين وقصعة فيها مرقة حارة ، ظهر ذلك من تصديقه بالقرآن ، قال : فالتفت إلىّ ، وقال : هداك اللّه كما هديتني إلى الرزق ، فتحيرت من شأنه وانصرفت باكيا . ثم لقيته بعد ذلك بمكة في الطواف فعرفني ، وقال : ألست صاحبي بالبادية ؟ فقلت : نعم ، فقال لي : من ذلك اليوم إلى هذا الوقت يأتيني رغيفان وقصعة في كل ليلة ، فإذا أكلت تبقى القصعة عندي ، فإذا أصبحت وجدتها فضّة ، وعندي قصع كثيرة ، فقلت له : لم لا تفرقها على أهلك ، قال لي : من ذلك الوقت عاهدت اللّه تعالى أن لا أفعل شيئا إلا بأمر اللّه تعالى ، وما أمرني بشئ ثم قال : ألا تزدني منه بيتا آخر ، قلت : وما ذاك شعر وإنما هو كلام اللّه تعالى ، ثم قرأت :
فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ
« 2 » قال : فتغير لونه وارتعدت فرائصه ، وقال : من ألجأه إلى الحلف ووقع ميتا ، قال : فإذا أنا بهاتف ينادى : ألا من أراد أن يصلى على ولىّ للّه فليصلّ على هذا البدوي فغسلناه وصلينا عليه ودفناه ، فرأيته في منامي بعد أسبوع على هيئة حسنة ، فقلت : بم بلغت هذه المنزلة ؟ قال : باستماعى لقراءة القرآن وتصديقي له « 3 » .
هامش
( 1 ) سورة الذاريات : آية 22 . ( 2 ) سورة الذاريات : آية 23 . ( 3 ) صفة الصفوة 4 / 310 ، وكتاب التوابين للمقدسى ( 273 ) بتوسع ، البيهقي في الشعب ( 1337 ) ، مثير الغرام الساكن ( ص : 138 ) .