« ثمّ إن سلاطين آل عثمان تلافوا أمر هذا التراجع باحترامهم للشريعة « 38 » إلّا أنّ هذه الخلافة العثمانية هي أيضا تراجع أمرها لمّا قصّرت في إجراء المصالح الملكيّة على مقتضى الشرع والقوانين السياسية « 39 » فنتج عن ذلك أمران هائلان وهما تدخّل الانكشارية من جهة وتداخل الأجانب من جهة أخرى في أحوال المملكة فكان إفساد السياسة العثمانية بما يناسب أغراضهم .
وأخيرا تدارك أمر الخلافة العثمانية السلطان محمود ( 1839 م ) وولداه عبد المجيد ( 1861 م ) وعبد العزيز ( 1876 م ) بتعويض الأوّل عساكر الانكشارية بالعسكر النظامي وضبط الثاني للسياسات الشرعية بالتنظيمات الخيرية سنة 1839 « 40 » .
هذه نظرة خير الدين إلى تطوّر التمدّن الإسلامي عبر العصور ، فهو رهين تطبيق الشريعة .
ب - إلغاء الحكم المطلق : الظلم مؤذن بخراب العمران :
وإن اعتراه التراجع فمردّ ذلك حكم الإطلاق والظلم وخير الدين هنا متأثّر إلى حدّ بعيد بنظرية ابن خلدون في العمران شأنه في ذلك شأن ابن أبي الضياف « 41 » وسائر المصلحين التونسيين في القرن التاسع عشر .
يقول خير الدين :
« ومن تصفّح الفصل الثالث من الكتاب الأوّل من مقدّمة ابن خلدون رأى أدلّة ناهضة على أن الظلم مؤذن بخراب العمران كيفما كان وبما جبلت عليه النفوس البشرية كان إطلاق أيدي الملوك مجلبة للظلم على اختلاف أنواعه
هامش
( 38 ) المصدر نفسه ، 163 .
( 39 ) المصدر نفسه ، 164 .
( 40 ) المصدر نفسه ، صص 165 - 167 .
( 41 ) إتحاف ،I، مقدمة ( متفرّقات ) .