الظاهرة في خلاف ما أراد منها وارتكاب الأقوال الضعيفة ليوافق الأهوية والأغراض » « 52 » .
فالسياسة الشرعية التي يدعو إليها خير الدين ليست ، كما يتبادر إلى ذهن المحافظين ، التقليد الحرفي الأعمى للسلف الصالح فهي تعتبر أساسا مراعاة أحوال الوقت . ويورد خير الدين في هذا المقام فقرات من رسالة شيخ الإسلام الحنفي التونسي محمّد بيرم الأوّل « 53 » تحدّد السياسة الشرعية تحديدا لو عمل به العلماء لما تردّوا في ما تردّوا فيه من تحجّر وجمود وانغلاق فهي : « ما يكون الناس معه أقرب إلى الإصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يضعه الرسول ولا نزل به الوحي . . ولابن قيّم الجوزية كلام حاصله : أنّ أمارات العدل إذ ظهرت بأي طريق كان فهناك شرع اللّه ودينه . . ونقل ابن قيّم الجوزية عن ابن عقيل مخاطبا لمن قال : لا سياسة إلّا ما نطق به الشرع ، فغلط وتغليط للصحابة رضي اللّه عنهم » « 54 » .
ويعتقد خير الدين معتمدا في هذا على ابن قيّم الجوزية : « أن الولّاة خرجوا عن حدود اللّه إلى أنواع الظلم والبدع في السياسة لأنّ العلماء الذين يفتونهم بظواهر النصوص ضيّقوا ما وسّع اللّه » « 55 » وينتهي خير الدين إلى هذا التقرير :
« وبناء على ما تقرّر يظهر أن اللائق بأولئك الهداة أن يتوسّطوا بين التفريط والإفراط بحث لا يبعدون من رجال السياسة بعدا يتسبّب عنه تبعيد تصرّف الولاة عن الشريعة » « 56 » .
هامش
( 52 ) المصدر نفسه والصفحة نفسها ، أنظر أيضا ملام ابن أبي الضياف على العلماء ، إتحاف ،IV، ص 246 ( تمنّع شيخ الإسلام بيرم الرابع من حضور مناقشة عهد الأمان ) صص 248 - 249 ( استعفاء العلماء من الحضور في ندوات شرح قواعد عهد الأمان ) وإتحاف ،V، ص 38 .
( 53 ) المقدّمة ، طبعتنا ، ص 154 .
( 54 ) المصدر نفسه ، والصفحة نفسها .
( 55 ) المصدر نفسه ، ص 178 .
( 56 ) المصدر نفسه والصفحة نفسها .