تكن ثابتة لها من قديم الزمان لأنّها كانت بعد هجوم البرابرة وسقوط الدول الرومانية سنة أربعة مائة وستّ وسبعين مسيحية على أنظم حال التّوحّش والاعتداء والجور آخذة في حركة السقوط التي هي أسرع من الصعود طبعا ولم تزل في ربقة الرقّ لملوكها وكبراء الأمم الجائرة المسميّن بالنوبليس إلى زمن ولاية الإمبراطور شارلمان ملك فرنسا . ثمّ بعد وفاته رجعت أوروبا إلى غياهب جهالتها وظلم ولّاتها » « 22 » .
ثمّ يثنّي بحجّة يردّ فيها على ابن خلدون وبعض فلاسفة أوروبا في القرن الثامن عشر « ولا يتوهّم أن أهلها ( أوروبا ) . وصلوا إلى ما وصلوا إليه بمزيد خصب أو اعتدال في أقاليمهم . إذ قد يوجد في أقسام الكرة ما هو مثلها أو أحسن » « 23 » وينتهي إلى الدين المسيحي الذي لا يعزى له تقدّم أوروبا : « ولا أنّ ذلك من آثار ديناتهم إذ الديانة النصرانية ولو كانت تحثّ على إجراء العدل والمساواة لدى الحكم لكنّها لا تتداخل في التصرّفات السياسية لأنها تأسّست على التبتّل والزهد في الدنيا حتّى أن عيسى عليه السلام كان ينهى أصحابه على التعرّض لملوك الدنيا فيما يتعلّق بسياسة أحوالها قائلا : « إنّه ليس له ملك في هذه الدنيا » لأنّ سلطان شريعته على الأرواح دون الأشباح . والخلل الواقع في ممالك البابا كبير الديانة النصرانية لامتناعه في الاقتداء بالتراتيب السياسية المعتبرة في بقيّة الممالك الأوروباوية دليل واضح على ما ذكرناه » « 24 » .
تجرّه هذه المقارنة إلى تفضيل الدين الإسلامي على المسيحي : « إن الشريعة الإسلامية كافلة بمصالح الدارين ضرورة أن التنظيم الدنيوي أساس متين لاستقامة نظام الدين » « 25 » .
هامش
( 22 ) أنظر أسفله : ص 125 .
( 23 ) أنظر أسفله : ص 125 .
( 24 ) إتحاف ،I، 32 ، أنظر في قضية الفصل بين الدين والسياسة في الديانة المسيحية .Fustel de Coulanges : La Citeantique , Paris , 1864 , LivreV , chap . III( 25 ) أنظر أسفله : ص 115 .