تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
ثمّ يورد حجّة تاريخية معتمدا على السلف الصالح : « وإذا جاز للسلف الصالح أخذ مثل المنطق من غير أهل ملّتهم وترجمته من لغة اليونان لمّا رأوه من الآلات النافعة حتّى قال الغزالي : « من لا معرفة له بالمنطق لا يؤتمن بعلمه » فأيّ مانع لنا اليوم من أخذ بعض المعارف التي نرى أنفسنا محتاجين إليها غاية الاحتياج في دفع المكائد وجلب الفوائد ؟ » « 20 » . وحيث إنّ القضيّة عنده هي التمدّن فهو يدعو المسلمين إلى تجاوز الحواجز الدينية الضيّقة ، هو يدعوهم إلى ما نسمّيه اليوم ب « التفتّح » وكلّ متمسّك بديانة وإن كان يرى غيره ضالّا في ديانته ، فذلك لا يمنعه من الاقتداء به في ما يستحسن في نفسه من أعماله المتعلّقة بالمصالح الدنيوية كما تفعله الأمّة الإفرنجية . فإنّهم ما زالوا يقتدون بغيرهم في كلّ ما يرونه حسنا من أعماله حتّى بلغوا في استقامة نظام دنياهم إلى ما هو مشاهد وشأن الناقد البصير تمييز الحقّ بعيار النظر في الشيء المعروف عليه قولا كان أو فعلا فانّ وجده صوابا قبله واتّبعه سواء كان صاحبه من أهل الحقّ أو من غيرهم فليس بالرجال يعرف الحقّ بل بالحقّ تعرف الرجال » « 21 » .

ب - ماذا نقتبس ؟

ويتّضح من هذا النصّ أنّ خير الدين لا يدعو إلى اقتباس ما يوجد في الدين المسيحي وإنّما ما يوجد في التمدّن الإفرنجي من « مصالح دنيوية » إذ أنّ الدين المسيحي دين تبتّل وزهد فصل منذ نشأته بين الدين والدنيا . ولئن حرص على ألّا يقع في المفاضلة بين الأديان فإنّه اضطرّ إليها اضطرارا حتّى يطمئن العلماء ورجال الدين . فهو يبدأ أوّلا بالتذكير بأن الأمم الأوروبية لم تعرف التمدّن في أوّل تاريخها : « إن الحالة الراهنة في ممالك أوروبا لم
هامش
( 20 ) أنظر أسفله : ص 121 ( 21 ) أنظر أسفله : ص 120 .
أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك — صفحة 50 | خير الدين التونسي / المنصف الشنوفي