فالقضيّة عنده هي التمدّن أوّلا وآخرا وهو بمثابة الحكمة « والحكمة ضالّة المؤمن يأخذها حيث وجدها » ومن سيضطلع بإنجاز هذا التمدّن هم رجال السياسة ورجال الدين من المسلمين لذلك عمد في تقرير هذه الضرورة إلى حجج عقلية ونقلية :
يقول خير الدين : « لا يتهيّأ لنا أن نميّز ما يليق بنا ، على قاعدة محكمة البناء ، إلّا بمعرفة أحوال من ليس من حزبنا لا سيّما من حفّ بنا وحلّ بقربنا » « 16 » .
« مع الإشارة إلى ما كانوا عليه في العهد القديم وبيان الوسائل التي ترقّوا بها في سياسة العباد ، إلى الغاية القصوى من عمران البلاد » « 17 » .
وهو لا ينفكّ يحذّر المسلمين من مغبّة الإعراض عن الاقتباس قائلا :
« تحذير ذوي الغفلات من عوامّ المسلمين عن تماديهم في الإعراض عمّا يحمد من سيرة الغير الموافقة لشرعنا بمجرّد ما انتقش في عقولهم من أنّ جميع ما عليه غير المسلم من السير والتراتيب ينبغي ان يهجر وتآليفهم في ذلك يجب أن تنبذ ولا تذكر . حتى أنهم يشدّدون الإنكار على من يستحسن شيئا منها وهذا على إطلاقه خطأ محض » « 18 » .
ويورد هنا حججا نقلية عديدة تدحض هذا الزعم وهذا الخطأ في التفكير نقتصر على واحدة منها :
وفي سنن المهتدين للعلامة الموّاق المالكي ما نصّه : « إنّ ما نهينا عنه من أعمال غيرنا هو ما كان على خلاف مقتضى شرعنا أمّا ما فعلوه على وفق الندب أو الإيجاب والإباحة فإنّا لا نتركه لأجل تعاطيهم إيّاه لأنّ الشرع لم ينه عن التشبّه بمن يفعل ما أذن اللّه فيه » « 19 » .
هامش
( 16 ) أنظر أسفله : ص 116 .
( 17 ) أنظر أسفله : ص 118 .
( 18 ) أنظر أسفله : ص 120 .
( 19 ) أنظر أسفله : ص 121 .