ولأقلّ من هذا السبب امتنع بعض الدول الأوروباوية من إطلاق الحرّية المشار إليها ، تحاشيا من تحزّب بعض الرعايا على تبديل العائلة الملكية - كما سيأتي بيانه عند الكلام على حرّية أوروبا - فإذا ساغ الامتناع مع كون البدل المتوقّع من جنس المبدل منه ، فلأن يسوغ هذا مع كونه من غير الجنس أحرى وأولى .
وأيضا فإنّ رعايا الدولة ينقسمون إلى عدّة أجناس مختلفة الأديان واللغات والعادات ، وغالبهم يجهل اللغة التركية التي هي لغة الدولة ، بل يجهلون لغة بعضهم ، بحيث تعسر المفاوضة بينهم لو ركّب مجلس من جميع طوائفهم ، ولا يتيسّر إعطاء الحرّية للبعض دون البعض ، لما ينشأ عن ذلك من الهرج .
فيجب أن تعتبر حالة هؤلاء الرعايا من أعظم العوائق عن تأسيس الحرّية على الوجه المطلوب بالدولة العثمانية .
فمن اعتبر ما أشرنا إليه لا يسوغ له أن يوجّه اللوم على الدولة في توقّفها إلى الآن عن إعطاء الحرّية المطلقة ، وتأسيس المجلس المذكور ، وإن كان ما ذكرناه لا يرفع عنها وجود الاجتهاد في قطع تلك العوائق التي يكون حسمها - بعون اللّه تعالى - من مآثر خليفة العصر « 113 » الذي رفع من أعلام العدل ما انتكس وأحيا من رسوم الاستقامة ما اندرس فإنّا بمقتضى ما خوّله اللّه من الحزم الناجح ، والرأي الراجح ، نؤمّل أن نرى منه ، لا سيّما بعد اطلّاعه على أحوال أوروبا بالعيان ، وتطبيقها على ما كان معلوما [ 37 ] لديه بالبيان - مزيد العناية بكلّ ما يتيّسر به إطلاق الحرّية على الوجه الأكمل ، بإعانة رجال دولته وعلمائها المتعاضدين على إنجاح مصالح الدين والوطن ، والعارفين بأسباب التقدّم ما ظهر منها وما بطن .
هامش
( 113 ) خليفة العصر : السلطان عبد العزيز .
أنظر أعلاه : تعليق 106 .