تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
وبيّن للنّاس أنّ تلك التنظيمات ليست خارجة عن المنهج الشرعي ، وما هي إلّا ضبط للسياسات الشرعية التي كانت أهملت ، وأنّ الداعي إليها ليس إلّا تحسين إدارة المملكة وحفظ حقوق الأمّة في النفس والعرض والمال ، وكفّ الأيدي الجائرة من الولاة ونحو ذلك من المصالح ، فانقادت الرعيّة عند ذلك وسكنت واستمرّ العمل بالتنظيمات في سائر الجهات بقدر الإمكان » . وأنت خبير بأنّ مثل هذا الحبر « 111 » الذي سارت بمآثره الركبان ، وشهد له بالعلم والعمل جهابذة أرباب العرفان ، خصوصا فخر القطر الإفريقي ، وفجر الرشاد [ 35 ] الحقيقي ، من بلغ صوت صيته مسامع سائر النواحي ، الأستاذ العلّامة سيّدي إبراهيم الرياحي « 112 » ، لو لم ير مساغا لهذه التنظيمات ما خطب بها على المنابر ، ولا كان على تقريرها أحزم مثابر . ومن تأمّلها بعين الإنصاف ، لم يجد في حسنها ولياقتها مثار خلاف ، بل جزم بأنّها قوام الاستقامة والوسيلة التي يستعاد بها ما كان للدولة من العزّ والفخامة . وهذا الصنع الجميل الذي صدر من هؤلاء السلاطين العظام ، مع ما حصل به من تحسين حال الدولة والرعايا ، ممّا لا يسع المنصف إنكاره بالنسبة لما كان قبل ، لم يقنع حزبا من المسلمين مع الرعايا من غيرهم ، بل لم يزالوا يطلبون من الدولة إطلاق الحرّية بمقتضى قوانين يكون تأسيسها وحمايتها من مجلس مركّب من أعضاء تنتخبهم الأهالي ، وفي هذه المدّة الأخيرة اشتدّ إلحاحهم في طلب ذلك حسبما تضمّنته صحف الأخبار .
هامش
( 111 ) الحبر : بفتح الحاء : العالم الصالح وهو مأخوذ من تحبير العلم أي تحسينه . ( 112 ) الشيخ إبراهيم الرياحي : ( 1180 - 1266 / 1766 - 1850 ) من مواليد تستور ، باش مفتي المالكية وأشهر العلماء في عصره ، اتّصل بالبايات ولعب دورا هامّا جريئا في بعض التنظيمات بتونس . شهر بإدخاله الطريقة التجانية إلى تونس . أنظر : ابن أبي الضياف : أتحافVII، 73 - 82 ( ترجمته ) أتحافIV، 19 - 25 ( رحلته إلى الآستانة ) وص 60 ، محمّد مخلوف : شجرة النور ،I، 385 - 389 .
أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك — صفحة 139 | خير الدين التونسي / المنصف الشنوفي