فجذبه من ردائه حتّى أثّر في عاتقه الشريف ، ثمّ قال : « إنّكم يا بني عبد المطلب قوم مطل » . فانتهزه عمر وشدّد عليه في القول حيث لم يتوخّ الرفق في الطلب . فقال له رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « أنا وهو كنّا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر ، تأمرني بحسن القضاء ، وتأمره بحسن التّقاضي » . ثمّ قال : « لقد بقي من أجله ثلاث » ، وأمر عمر أن يقضيه ماله ويزيده عشرين صاعا لما روّعه ، فكان سبب إسلامه - رضي اللّه عنه - .
وورد أيضا أنّ يهوديا أتى عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - يطلب عليّا - كرّم اللّه وجهه - في حقّ ، وكان علي عنده ، فقال له عمر : قم يا أبا الحسن [ 39 ] واجلس مع خصمك » ، فرأى في وجه عليّ الغضب . فلمّا انفصلت النازلة قال له عمر ما معناه : « تغضب لطلب أن تساوي خصمك ! » فقال له علي : « ما غضبت لذلك ، وإنما كرهت تكنيتك لي بمحضر خصمي » .
فالحاكم إذا كانت ديانته تلزمه الاتّباع للشريعة بمقتضى الوازع الديني ، والاقتداء بمن سلف من الخلفاء الراشدين ، الذين هم نجوم الاهتداء ، كيف يتوهّم منه ترجيح جانب المسلم على غيره .
وبعد هذا لم يبق لمن له إنصاف من الأوروباويين أن لا يرى فيما ذكرناه ضمانة « 115 » كافية لحفظ الحقوق ، كما أنّه لا يتأتّى له أن يرى إمكان إجراء القوانين على وجه يثمر النتائج المقصودة منها ، مع امتناع بعض السكّان من المساواة فيها ، لا سيّما والممتنع بيده غالب الصناعات والمتاجر .
30 - تنفير النصارى للرعايا المسلمين من قبول التنظيمات :
ثمّ إنّهم لم يكتفوا في التعطيل بذلك الامتناع ، حتّى صار بعضهم ينفّر رعايا بعض الممالك الإسلامية من قبول التنظيمات التي رام ملوكها تأسيسها ، بأن
هامش
( 115 ) ضمانة : استعمال عامي تونس للضمان .