تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
يدّعي جهل جميع أهل مملكة من الممالك ، بحيث لا يوجد بها من يقوم بأعباء أحكام تنظيماتها . نعم هناك شيء واحد وهو أنّ جميع الأمور في ابتدائها ، قبل التمرّن عليها والاعتياد بها ، يقع فيها نوع اضطراب وارتباك حتّى يحصل الاستئناس بها ، وتأخذ مأخذها . وهذا أمر طبيعي لا يقدح به في التنظيمات ، فإنّا نرى دول أوروبا لم تكن من أوّل الأمر حاصلة على هذا النجاح في تنظيماتها [ 38 ] المشاهد لها اليوم ، وإنّما حصلت على ذلك بواسطة إعانة السكّان لها على إجرائها بعدم المخالفة والشقاق ، إذ بدون ذلك لا يطمع في الحصول على شيء من نتائجها ، بل لم نزل نرى إلى الآن تفاوت الدّول المذكورة في تهذيب تنظيماتها ، ومعارف حكّامها وعفّتهم . ولم يمنع هذا التّفاوت دخول المتقدّم منهم فيها تحت أحكام المتأخّر . فلم يبق حينئذ إلّا أن نقول إنّ هذه الدعوى مجرّد توهّم وليست مستندة إلى شيء من الأدلّة والتجارب لأنّه لم يدخل أحد من رعاياهم تحت أحكام تنظيماتها حتّى يلحقه الضرر منها ، بل لنا أن نقول إنّها مجرّد مكابرة .

29 - الدّعوى الثانية : كراهيّة المسلمين للنّصارى :

وأمّا دعوى الكراهية فلا يخفى أنّها بعد تسليمها مشتركة الإلزام ، إذ للمسلمين أن يظنّوا أنّ النصارى أيضا تحملهم العداوة على الحيف عليهم وقت حلولهم ببلدانهم ، لكنّ الحقّ أنّ العداوة الدينية لا تستميل الحاكم عن الإنصاف المؤسّسة عليه الشريعة ، وعن الوقوف مع الحقّ حيث يجب ، حتّى لو وجب على الحاكم نفسه لأنصف طالبه منه كائنا من كان عملا بما هو من قواعد الدين الذي هو أعظم وازع حتّى لم يبق معه لإيثار النفس أثر ، فقد ورد أن زيد بن سعنة جاء قبل إسلامه يتقاضى من النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - دينا له ،