تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
عن ينابيع العلوم القديمة ، ولم يكفهم الاحتفاظ على كنوزها التي عثروا عليها بل اجتهدوا في توسيع دوائرها ، وفتحوا طرقا جديدة لتأمّل العقول في عجائبها . ثمّ استشهد بقول إسكندر همبلط « 96 » : « إنّ العرب خلقهم اللّه ليكونوا واسطة بين الأمم المنتشرة من شواطئ نهر الفرات إلى الوادي الكبير بإسبانيا ، وبين العلوم وأسباب [ 31 ] التمدّن فتناولتها الأمم على أيديهم لأنّ لهم بمقتضى طبيعتهم حركة تخصّهم أثّرت في الدنيا تأثيرا لا يشتبه بغيره ، فكانوا في طبيعتهم مخالفين لبني إسرائيل الذين لا يطيقون خلطة أحد من الناس ، فيخالطون غيرهم من غير أن يختلطوا به ، ولا يتبدّل طبعهم بكثرة المخالطة ولا ينسون أصلهم الذي خرجوا منه . وما أخذت أمم ألمانيا في التمدّن إلّا بعد مدّة طويلة من فتوحاتهم ، بخلاف العرب فإنّهم كانوا يحملون التمدّن معهم ، فحيثما حلّوا حلّ معهم . فيبثّون في النّاس دينهم وعلومهم ولغتهم الشريفة ، وتهذيباتهم وأشعارهم الشهيرة التي هي أساس بنى عليه المنسقر والتربدور « * » أشعارهم » . ثمّ قال بعد ذلك : « ونعود الآن فنقول : إنه ثبت عندنا بما صنّفه العرب واخترعوه رجحان عقولهم الغريب في ذلك الوقت الذي وصل صيته إلى أوروبا النصرانية ، وهذا حجّة على أنهم كما قال غيرنا ، ونحن نعترف بهم أساتذنا ومعلّمونا » « * » . انتهى المقصود منه .

20 - تراجع الدول الإسلامية :

ثمّ إن الدولة الإسلامية أخذت في التراجع لمّا انقسمت إلى دول ثلاث : « الدولة العبّاسيّة ببغداد والمشرق ، ودولة الفاطميين بمصر وإفريقية ، ودولة
هامش
( 96 ) إسكندر همبلط :( Alexandre Humboldt )( 1769 - 1859 ) رحالة وجغرافي ألماني . * المنسقر والتروبدور : ( دخيل ألماني وفرنسي ) : طائفة من الشعراء الغنائيين ظهرت في القرون الوسطى بألمانيا وفرنسا . * كذا بالأصل .