« وفي أوائل القرن الثامن من تاريخنا تبدّل ولوعهم بالفتوحات بالجدّ في المعارف والعلوم ، فكانت إذ ذاك قرطبة ومصر وطليطلة وفاس والرقة « 95 » وأصفهان وسمرقند [ 30 ] تتسابق في ميدان العلوم مع بغداد تحت بني العبّاس ، وترجمت في تلك المدّة كتب اليونان ، وقرئت بالمدارس وشرحت . وسرت حركات عقولهم في جميع موادّ المعارف الإنسانية ، فنتج عنها من الاختراعات الغريبة ما شاع صيته في أوروبا » .
فتبيّن بلا إشكال أنّ العرب هم أساتذنا بلا إنكار لكونهم جمعوا الأدوات المؤسّسة عليها تواريخنا المتوسّطة ، وبدؤوا بكتابة الرحلات ، واخترعوا التأليف في تاريخ وفيات الأعيان ، ووصلوا في صناعة اليد إلى غاية لا تحدّ .
وبقيّة آثار أبنيتهم ممّا يدلّ على اتّساع معارفهم وكذلك اختراعاتهم الغريبة تزيد بيانا لفضائلهم التي لم ينزلوا بها إلى الآن منزلتهم التي يستحقّونها بسببها ، فإنّ علوم الفيزيك والطبّ والتاريخ الطبيعي والكيمياء والفلاحة لمّا جاءت في أيديهم ازداد فيها الغريب ، مع كونها من المحسوسات التي لا تصرف لها هممهم صرفا تامّا . فكيف بالعلوم العقلية التي اجتهدوا فيها اجتهادا يفوق الحدّ من مبدأ القرن التاسع ( 9 ) إلى انتهاء القرن الخامس عشر ؟ » ( 15 ) .
« ثمّ نقول : ما نسبة ما عرفناه الآن منهم ببحثنا إلى ما بقي مجهولا لنا من ذلك ؟ » .
« وبالجملة فالعرب هم منبع معارفنا ولم نزل إلى الآن نطلّع على أشياء من مختراعاتهم التي كانت منسوبة لغيرهم كلّما قرأنا كتبهم » .
ثمّ قال في شأن التمدّن العربي : « إنّهم كانوا في القرون المتوسّطة مختصّين بالعلوم من بين سائر الأمم ، وانقشعت بسببهم سحائب البربرية التي امتدّت على أوروبا حين اختلّ نظامها بفتوحات المتوحّشين ، ورجعوا إلى الفحص
هامش
( 95 ) الرقّة : قاعدة ديار مضر في الجزيرة على الفرات .