من قانونه النافع الذي استعان فيه بالعلماء العاملين ، وعقلاء رجال دولته وجعل مداره على إناطة تدبير الملك بعهدة العلماء والوزراء ، وتمكينهم من تعقّب الأمراء والسلاطين إن حادوا .
وذلك أن ملك الإسلام مؤسّس على الشرع الذي من أصوله المشار إليها سابقا وجوب المشورة ، وتغيير المنكر والعلماء أعرف الناس به ، كما أنّ الوزراء أعرف بالسياسة ومقتضيات الأحوال . فإذا اطّلع العلماء والوزراء على شيء يخالف الشريعة والقانون الخادم لها فعلوا ما تقتضيه الديانة من تغيير المنكر بالقول أوّلا فإن أفاد حصل المقصود ، وإلّا أخبروا أعيان الجند بأنّ وعظهم لم ينفع ، وبيّن في القانون المذكور ما يؤول إليه الأمر إذا صمّم السلطان على أن ينفّذ مراده وإن خالف المصلحة ، وهو أنّه يخلع ويولّى غيره من البيت الملكي . وأخذ على ذلك العهود والمواثيق من العلماء ورجال الدولة .
واستمرّ العمل على ذلك فكانت منزلة العلماء والوزراء بالدولة بمقتضى هذا القانون في الاحتساب على سيرة السلاطين كمنزلة وكلاء العامّة في أوروبا الآتي بيانهم ، بل هي أعظم باعتبار أنّ الوازع الدنيوي الداعي إلى الاحتساب متأيّد بالوازع الديني عندنا ، فبذلك القانون المشار إليه استديم نجاح الدولة وحسن سيرتها .
22 - الانكشارية وتقويضهم أساس العدل :
ثمّ إنّها أخذت في التأخّر والنّقص لمّا قصّرت في إجراء المصالح [ 33 ] الملكية على مقتضى الشرع والقوانين السياسيّة ، وعدمت التحرّي في انتخاب أرباب الخطط المعتبرة ، فتصرّف بعضهم بحسب الفوائد الشّخصية ، لا باعتبار مصلحة الدولة والرّعيّة ، إلى أن دخل في عسكر الانكشارية « 102 » من أفسد
هامش
( 102 ) الانكشارية ( تركية ) : الجند الجديد ، وكان هذا الجند مكوّنا ممّن يسبي ويختطف من أبناء الشعوب المغلوبة ومختصا بحراسة السلطان ، قضى على جيش الإنكشارية السلطان محمود الثاني سنة 1826 لما ثاروا على الدولة .