« وبعد انقسام ممالك الإسلام لم تتعطّل العلوم والآداب التي نتجت على أيديهم ، فإنّ خلفاء بغداد وقرطبة ومصر ، وإن ضعفت قوّتهم الملكيّة والسياسيّة ، فإنّ سلطنتهم الروحانية لم تزل قويّة في كلّ جهة لاجتهادهم في توسيع دوائرها بقدر طاقاتهم » .
وقد نال النصارى ، الذين استطاعوا إخراج العرب من إسبانيا بالخلطة معهم في الحروب ، معارفهم وصنائعهم واختراعاتهم . ثمّ المغل والترك الذين تسلّطوا على آسيا وتداولوها كانوا خدمة « * » في العلوم لمن تغلّبوا عليه من فرق العرب » .
« وإلى الآن لم نطّلع في أوروبا على الأصول - التي تبيّن لنا عادات العرب - اطلاعا تامّا ، إذ لم يعرف عندنا من تواريخهم إلّا تواريخ أبي الفداء وأبي الفرج والمقريزي وابن الأثير « 94 » ، ونبذة من تاريخ ابن خلدون . ونجهل بالمرّة تواريخ كثيرة نودّ لو نجد من يترجمها لنا ، وإن كان المقدار الذي حصل عندنا كافيا في ردّ غلط من غلط من أهل أوروبا في شأن العرب » .
« ثمّ إنّي ذكرت في تاريخنا هذا ما يتعلّق بفتوحات الخلفاء الأولين وبتاريخ دولة بني أميّة بدمشق وقرطبة ، وبتاريخ دولة بني العبّاس ببغداد . والفاطميين بمصر ، وبانقسام الممالك الإسلامية بالمشرق بعد تسلّط الترك والمغل عليهم ، فبيّنت جميع ذلك بقدر الطاقة ، وزدت عليه شيئا لم يوجد في التواريخ السالفة ، وهو برنامج التمدّن العربي الذي قد توشّجت عروقه في الدنيا القديمة ، واستمرّت آثاره ظاهرة إلى الآن لكلّ من يبحث بالجدّ عن أصل المعارف منّا » .
هامش
* خدمة ج . خادم .
( 94 ) ابن الأثير : عز الدين أبو الحسن علي ( 552 - 630 / 1110 - 1223 ) من مواليد الموصل ، حارب الصليبيين في جيش يقوده صلاح الدين الأيوبي . صاحب كتاب الكامل في التاريخ .
أنظر : دائرة المعارف الإسلامية ، ط 2 ،III، 746 - 747 .