« إنّي منذ مدّة طويلة تنيف على العشرين سنة مشتغل ببيان مزايا العرب على غيرهم من الأمم ، فيما يتعلّق بالعلوم والتقدّم في التمدّن مدّة قرون متطاوية ، من أيّام اليونان بالإسكندرية إلى أيّام العصر الجديد . فلزمني أن أجمع ما تيسّر لي من الأدلّة على عظم هذه الأمّة التي لم يعرف قدرها إلى الآن ، وأعرضه على ما لغيري ممّن تكلّم عليها ، فيتأسّس تاريخا لها عموميا وان كان ذلك ممّا لا تفي به طاقة إنسان واحد » .
« وقبل الشروع في ذلك ، على وجه الاختصار ، يلزمني أن أندب الناس إلى التّأمّل في أحوال هذا الجنس ، الذي كان كثير الفتوحات ، عديم الاستيلاء عليه في سائر مغازيه ، ولم يزل مدّة أربعة آلاف ( 4000 ) سنة على حال واحد في اكتساب الفضائل والمزايا التي تميّز بها على غيره ، والتراتيب والعادات الخاصّة به » .
ومن حجج ذلك أنّ الوقت الذي كانت فيه الممالك القديمة في مبدأ تكوينها ذات حيرة ، كان هذا الجنس إذ ذاك قائما بنفسه ، قادرا على الإغارة على غيره ، فقد كانت ملوك مصر وبابل من ذلك الجنس مدّة تسعة عشر ( 19 ) قرنا قبل التاريخ المسيحي . ثمّ بعد أن رجع إلى حدوده الأصلية دافع عن نفسه سلطة الفراعنة وملوك الشّام ، وامتنع من تسلّط قيرس « 93 » وإسكندر ، ودام في استقلاله ضدّ الرومان الذين كانوا ملكوا الدنيا » .
« وبعد ظهور النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - الذي جمع قبائل العرب أمّة واحدة ، تقصد مقصدا واحدا ، ظهرت للعيان أمّة كبيرة مدّت جناح ملكها من نهر طاج في إسبانيا إلى نهر القانج في الهند . ورفعت على منار الإشادة أعلام التمدّن [ 29 ] في أقطار الأرض أيّام كانت أوروبا مظلمة بجهالات أهلها في القرون المتوسّطة ، كأنّها نسيت بالمرّة ما كان عندها من التمدّن الرّوماني واليوناني » .
هامش
( 93 ) قيرس :Cyrus، ملك الفرس ( 558 ق . م . ) ابن قمبيز ، كان مسيطرا على آسيا الغربية .