2
ولمّا كان الإسكندر بن فيلفوس اليوناني ( 68 ) ، جمع ملك الروم بعد أن كان طوائف ، وقصد ملوك المغرب وقهرهم ، وأمعن حتّى انتهى إلى البحر الأخضر . ثمّ عاد إلى مصر ، فبنى الإسكندريّة وسمّاها باسمه ؛ وقصد الشّأم ومن بها من بني إسرائيل . فورد بيت المقدّس ، وذبح في مذبحه وقرّب قرابين ؛ ثمّ انعطف إلى أرمينية ، وباب الأبواب ، فجازها ؛ ودانت له القبط والبربر والعبرانيّون . ثمّ توجّه نحو دارا بن دارا ، آخذا للثّار الذي أثأره بختنصّر وأهل بابل في عملهم بالشأم ما عملوه « 1 » ، وحاربه وهزمه مرّات ؛ وقتله في إحديها صاحب حرسه المسمّى بنوجشنش ابن آذربخت ؛ واستولى الإسكندر على ممالك الفرس ، وقصد الهند والصين ، وغزا الأمم البعيدة ، وغلب على ما كان يمرّ عليه من الصّقوع ؛ ورجع على خراسان ، فدوّخها وبنى المدن ؛ ورجع إلى العراق ، ومرض بشهرزور ، ومات بها ؛ وكان يستعمل الحكمة في مقاصده ، ويستظهر برأي معلّمه ارسطوطاليس « 2 » في مطالبه ، قيل لذلك أنّه ذو القرنين . وأوّل هذا اللّقب ببلوغه قرني الشّمس ، اى مطلعها ومغربها ، كما لقّب أردشير بهمن « 3 » بطويل اليدين ، لنفوذ أمره حيث أراده كأنّه يتناول فيصيب .
3
وأوّله آخرون أنّ ذلك لانتتاجه من بين قرنين مختلفين ، عنوا بذلك الروم والفرس ؛ وذهبوا في ذلك إلى ما خرصه الفرس ، فعل العدوّ بعدوّه ، أنّ دارا الأكبر كان تزوّج بأمّه ، وهي ابنة فيلفس ، وأنكر منها رائحة ، فردّها على أبيها ؛ وقد حملت منه به ، وأنّه إنّما نسب إلى فيلفس لتربيته إيّاه . واستدلّوا على ما ذكروه بقول الإسكندر لدارا ، حين أدركه وبه رمق فوضع رأسه في حجره :
« يا أخي أخبرني عمّن فعل بك هذا لانتقم لك منه » ؛ وإنّما خاطبه بذلك رأفة له وإظهارا للتّسوية بينه وبين نفسه ، إذ قد استحال أن يخاطبه بالملك أو يسمّيه ، فيبالغ في الجفاء الذي لا يليق بالملوك ولكنّ الأعادى أبدا مولعون بالطّعن في الأنساب ، والثّلب في الأعراض ، والوقيعة « 4 » في الأفاعيل والآثار ؛ كما أنّ الأولياء والمتشيّعين مولعون بتحسين القبيح ، وسدّ الخلل ، وإظهار الجميل ، والنّسبة إلى المحاسن ، كما وصفهم من قال :
هامش
( 1 ) . داد / طز : - .
( 2 ) .Aristotle of Stageira ( 384 - 322 B . C ) .( 3 ) . اردشير ( يكم ) هخامنشى ( 465 - 425 ق . م ) .
( 4 ) . داد / طز : الوقعة .