تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الآثار الباقية عن القرون الخالية — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠

46

وهذا وإن دقّق في تحصيله ، فلم يعد به النوروز إلى ما كان عليه ، عند الكبس في دولة الفرس ؛ وذلك أنّ إهمال الفرس كبيستهم ، كان قبل هلاك يزدجرد [ بن شهريار ] « 1 » بقريب من سبعين سنة ، لأنّهم كانوا كبسوا السنة في زمان يزدجرد بن سابور بشهرين ، أحدهما لما لزم السنة من التّأخّر ، وهو الواجب ؛ ووضعوا اللواحق خلفه علامة له ، وكانت النّوبة لآبان‌ماه ، كما سنذكر ، والشهر الآخر للمستأنف ، ليكون مفروغا منه إلى مدّة طويلة . فإذا أسقط عن السنين التي بين يزدجرد بن سابور وبين يزدجرد بن شهريار مائة وعشرون سنة ، بقي بالتقريب سبعون سنة لا بالتحقيق . فإنّ تواريخ الفرس مضطربة جدّا ، ويكون حصّة هذه السبعين سنة من الأرباع ، قريبا من سبعة عشر يوما ، فكان يجب بالتجليل « 2 » من القياس أن يؤخّر سبعة وسبعين يوما لا ستّين يوما ، حتّى يكون النوروز في ثمانية وعشرين من حزيران ؛ ولكنّ المتولّى لذلك ظنّ أنّ طريقة الفرس في الكبس ، كانت شبيهة بالتي يسلكه الروم فيه ، فحسب الايّام من لدن زوال ملكهم ؛ والأمر فيها على خلاف ذلك ، كما بيّنّا وسنبيّن .

47

وهذا التاريخ ، آخر التواريخ المشهورة « 3 » ؛ ولعلّ أن يكون للأمم الشاسعة ديارها عن ديارنا ، تواريخ لم تتّصل بنا ، أو متروكة ، كالفرس في مجوسيّتها . فإنّها كانت تؤرّخ بقيام ملوكهم أوّلا فأوّلا ، فإذا مات أحدهم ، تركوا تاريخه ، وانتقلوا إلى تاريخ القائم بعده منهم ؛ ومدد ملوكهم مثبتة في الجداول فيما بعد . وكبنى إسماعيل من العرب ، فإنّهم كانوا يؤرّخون ببناء إبراهيم وإسماعيل الكعبة ، حتّى تفرّقوا ، وخرجوا من تهامة . فكان الخارجون يؤرّخون بخروجهم ، والباقون بآخر الخارجين منهم ، حتّى طال الأمد ؛ فأرّخوا بعام رئاسة عمرو بن ربيعة المعروف بعمرو بن يحيى ، وهو الذي يقال أنّه بدّل دين إبراهيم ، وحمل من مدينة البلقاء صنم هبل ، وعمل إسافا ونائلة ( 61 ) ؛ وذلك كما يقال في زمن سابور ذي الأكتاف ؛ والجمع بين رأى الفريقين في التواريخ لا يشهد لذلك . ثمّ أرّخوا بعام موت كعب بن لؤىّ إلى عام الغدر ، وهو العام الذي نهب فيه بنو يربوع ، ما أنفذه بعض ملوك حمير إلى الكعبة من الكسوة ، ووثب بعض الناس على بعض في الموسم .
هامش
( 1 ) . توپ : + . ( 2 ) . عس : بالجليل . ( 3 ) . هن : آخر المشهورة .