تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الآثار الباقية عن القرون الخالية — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨

42

ثمّ تاريخ أحمد بن طلحة المعتضد باللّه أمير المؤمنين ، وهو على سنى الروم وشهور الفرس بمأخذ آخر ، وهو أنّها تكبس في كلّ أربع سنين بيوم ( 52 ) . وكان السبب في ذلك ، على ما ذكر أبو بكر الصّولىّ ( 53 ) في كتاب الأوراق ، ووصفه حمزة بن الحسن الأصبهانيّ في رسالته في الأشعار السائرة في النّيروز والمهرجان : أنّ المتوكّل بينا هو يطوف في متصيّد له ، إذ رأى زرعا لم يدرك بعد ولم يستحصد ، فقال : قد استأذننى عبيد اللّه بن يحيى ( 54 ) في فتح الخراج ، وأرى الزّرع أخضر ؛ فمن أين يعطى الناس الخراج ؟ فقيل له : إنّ هذا قد أضرّ بالناس ، فهم يقترضون ويتسلّفون وينجلون عن أوطانهم ، وكثرت له شكاياتهم وتظلّمهم « 1 » . فقال : هذا شيء أحدث في أيّامى أم لم يزل كذا ؟ فقيل له : بل هو جار على ما أسّسه ملوك الفرس من المطالبة بالخراج في إبّان النيروز ، وصاروا به قدوة لملوك العرب . فأحضر الموبذ ( 55 ) وقال له : قد كثر الخوض في هذا ؛ ولست أتعدّى رسوم الفرس ، فكيف كانوا يفتتحون الخراج على الرّعيّة ، مع ما كانوا عليه من الإحسان والنّظر ؟ ولم استجازوا المطالبة بالخراج في مثل هذا الوقت الذي لم تدرك فيه الغلّات والزروع « 2 » ؟

43

فقال الموبذ : إنّهم وإن كانوا يفتتحونها في النوروز ، فما كان يجيء إلّا وقت إدراك الغلّات . فقال : وكيف ذلك ؟ فبيّن له حال السنين وكمّيّاتها واحتياجها إلى الكبس ؛ ثمّ عرّف أنّ الفرس كانوا يكبسونها ، فلمّا جاء الإسلام ، عطّل ؛ فأضرّ ذلك بالناس ، واجتمع الدهاقنة زمن هشام بن عبد الملك إلى خالد القسرىّ ( 56 ) ، فشرحوا له هذا ، وسألوه أن يؤخّر النوروز شهرا ، فأبى ؛ وكتب إلى هشام بذلك فقال : إنّى أخاف أن لا يكون هذا من قول اللّه - تعالى - :
إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ
« 3 » . فلمّا كان في أيّام الرّشيد ، اجتمعوا إلى يحيى بن خالد بن برمك ، وسألوه أن يؤخّر النوروز نحو الشهرين . فعزم على ذلك ، فتكلّم أعداؤه فيه ، وقالوا : إنّه يتعصّب للمجوسيّة ( 57 ) ، فأضرب عن ذلك ؛ وبقي الأمر على حاله .

44

فأحضر المتوكّل ، إبراهيم بن العبّاس الصّولىّ ( 58 ) ، وأمره بأن يوافق الموبذ على ما ذكره من النوروز ؛ ويحسب الأيّام ، ويجعل له قانونا غير متغيّر ؛ وينشئ عنه كتابا إلى بلدان
هامش
( 1 ) . داد / طز : لهم . . . ظلمهم . ( 2 ) . عس / توپ : الربوع . ( 3 ) . قرآن ، 9 / 37 .
الآثار الباقية عن القرون الخالية — صفحة 38 | أبو ريحان البيروني / پرويز اذكائى