تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الآثار الباقية عن القرون الخالية — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
لو فرضنا نحن دائرة ، وضعنا في عدّة مواضع متفرّقة منها حيوانات ، بعضها أسرع وبعضها أبطأ ، غير أنّ كلّ واحد منها متحرّك من نوع حركته ، حركات متساوية في أوقات متساوية ؛ وعرف في وقت ما مفروض أبعاد ما بينها ومواضعها ، ومسير كلّ واحد منها في يوم بليلته ؛ وطولب الحاسب بكمّيّة الزمان الذي تجتمع بعده في نقطة مفروضة ، أو الزّمان الذي كانت قبله مجتمعة في تلك النّقطة بعينها ، لم يلزم الحاسب عتب إن نطق بألوف ألوف ألف من السنين ، ولم يجب من قوله أنّها كانت حينئذ أو تبقى إلى وقتئذ « 1 » ؛ ولكنّ مقتضى قوله مشروحا فيه : أنّها لو كانت أو بقيت على حالتها تلك ، لم يكن غير ما أدّاه اليه الحساب ؛ ثمّ تحقّق ذلك ، موكول إلى صناعة غير صناعته .

28

فلو حكم العامل بالأدوار ، لتبرّؤ الأحوال الفلكيّة بزعمه عن قبول الكون والفساد ؛ وأنّ حالتها في الماضي كذلك ، لكان حكمه دعوى ساذجة ، يعلّل به نفسه من غير أن يقترن به حجّة ، إذ البرهان لا يلزم طرفي النّقيض ، بل يختصّ بإحديهما وينفى الآخر . وقد اتّضح عند الفلاسفة وغيرهم ، بطلان خروج بلا نهاية من القوّة إلى الفعل ، حتّى يوجد ؛ والماضي من الحركات والأدوار والأزمنة معدودة ، قد وجدت ونقصت ؛ وهي متزايدة في العدّة ، فليست بلا نهاية .

29

وهذه اللّفظة ممّا يكتفى به المحقّ المنصف ، فإن عاند ومال إلى تمويهات المكابرين ، احتيج في إزالة ذلك عن قلبه ، ومداواة ما سقم من لبّه ، وغرس الحقّ في نفسه إلى ما يربى على هذه الكتاب ؛ وله مواضع أليق بها من هاهنا . واختلاف الأدوار لا اختلاف « 2 » الأرصاد ، أكفى دليل وأقوى معين على إزالة ما ارتكبه أبو معشر ؛ ويعتمده الحمقى الطاعنون في الأديان ، الجاعلون أدوار السند هند وأمثالها ، ذريعة إلى سبّ من أنذر باقتراب الساعة ، وأخبرهم بالنّشور للثّواب والعقاب في الدار الآخرة ؛ والجالبون التّهم والظّنون « 3 » الفواحش ، على علماء الهيئة وأصحاب الحساب ، بانضيافهم إلى جملتهم وانتسابهم إلى صناعتهم ، وإن كان لا يدهن « 4 » على من له أدنى تحصيل .
هامش
( 1 ) . عس / توپ : وقت . ( 2 ) . عس : لاختلاف ، توپ : باختلاف . ( 3 ) . داد / طز : المظنون . ( 4 ) . هن : يذهب .
الآثار الباقية عن القرون الخالية — صفحة 32 | أبو ريحان البيروني / پرويز اذكائى