25
وإلى هذا التاريخ ، احتاج أبو معشر البلخي ( 39 ) ليبنى عليه أوساط الكواكب في زيجه ، فزعم أنّ الطوفان كان عند اجتماع الكواكب في آخر الحوت وأوّل الحمل ؛ واستخرج مواضعها لذلك الوقت ، فكان كلّها مجتمعة من لدن الدرجة السابعة والعشرين من الحوت ، إلى آخر الدرجة الأولى من الحمل . وزعم أنّ بين ذلك الوقت وبين أوّل تاريخ الإسكندر ، الفين وسبعمائة وتسعين سنة مكبوسة ، وسبعة أشهر وستّة وعشرين يوما ، وهو أقرب إلى قول النصارى ، على أنّه ناقص عمّا استخرجه أصحاب النجوم ، بمقدار مائتين وتسع وأربعين سنة وثلاثة أشهر . فلمّا تقرّرت لديه هذه الجملة على الطريق الذي مهّده ، وكان خرج له المدّة - التي يسمّيها المنجّمون أدوار الكواكب - ثلاثمائة وستّين ألف سنة ( 40 ) وأوّلها متقدّم لوقت الطوفان - بمائة وثمانين الف سنة ، حكم جهلا على أنّ الطوفان كان في كلّ مائة وثمانين الف سنة ، وسيكون فيما بعد كذلك .
26
وما استخرج هذا الرجل المعجب برأيه ، أدوار هذه ، إلّا من مسيرات الكواكب التي خرجت بإرصاد أهل فارس ؛ وهي مخالفة للأدوار التي ، أدّى إليها أرصاد الهند المعروفة بأدوار السند هند ؛ ومخالفة لأيّام الارجبهر ولأيّام الاركند ( 41 ) . ولو أراد مريد أن يعمل بإرصاد بطلميوس ، أو أرصاد أصحاب الامتحان من المحدثين أدوارا ، لتهيّأ له بالأعمال المشهورة لذلك ، كما تهيّأ لكثير منهم كمحمّد بن إسحاق بن أستاذ بنداد السرخسي ، وأبى الوفاء محمّد بن محمّد البوزجانيّ ( 42 ) ، وكالذي عملته أنا في كثير من كتبي ، وخاصّة في كتاب الاستشهاد باختلاف الأرصاد ؛ وبكلّ واحد من هذه الأدوار ، تجتمع الكواكب في أوّل الحمل بدءا وعودا ، ولكنّه في أوقات مختلفة ؛ فلو حكم على أنّ الكواكب ، مخلوقة في أوّل الحمل ، في ذلك الوقت ، أو على أنّ اجتماعها فيه هو أوّل العالم أو آخره ، لتعرّت « 1 » دعواه تلك عن البيّنة ، وإن كان داخلا في الإمكان ؛ ولكن مثل هذه القضايا لا تقبل ، إلّا بحجّة واضحة أو مخبر عن الأوائل والمبادئ موثوق بقوله ، متقرّر في النفس صحّة اتّصال الوحي والتأييد به .
27
فإنّ من الممكن أن يكون هذه الأجرام ، متفرّقة غير مجتمعة وقت إبداع المبدع لها ، وإحداثه إيّاها ؛ ولها هذه الحركات التي أوجب الحساب ، اجتماعها في نقطة واحدة في تلك المدّة ؛ كما
هامش
( 1 ) . عس / توپ : ليغرق .