60
وقد كنت على أن احكى أقاويل الفرس ، ما دمت في شهورهم حكاية فقط ؛ لا امزج بها شيئا من ذات نفسي ، لغلبة الكذب والمحالات الركيكة على اخبارهم ؛ ولكنّ الإخلال بالفائدة في موضعها ، ترك للنصيحة . فأقول : انّ لحظة الجد والبخت إلى العالم ، يكون في أوقات ، تسمح بالظفر ، وتساعد على نيل الأماني . فالدعوات فيها ، إذا مرجوّة ، والدعاء المستجاب ، متعلّق بالعزم الصحيح ، والاعتقاد القوى ، والتوكّل الصادق ؛ كما قيل في الإنجيل للحواريّين : « الحقّ أقول لكم إن يكن فيكم ايمان فلا تشكّوا وقلتم لهذا الجبل انتقل ، فقع في البحر ، كان ذلك ؛ وكلّ ما سألتم بالصلاة ، وآمنتم ، نلتموه . » « 1 » . ولا يشكّ في إنّ للّه ، وللمتوسّطين بيننا وبينه [ 126 ر ] من الملائكة والأرواح الطاهرة المقدّسة والكواكب المسخّرة ، عناية بالإصلاح ما أمكن ، وتربّص للإنابة والدعاء .
61
ومن أعجب ما يدعوا إلى الايمان بذلك ، ما ذكره البحريون ، وراكبو الفلك من التجّار :
انّهم يشدّون نشابة على الدقل ، ونصلها إلى فوق ؛ وإذا اصابتهم الشدّة ، من عواصف الرياح ، والأمطار والأمواج ، واسلموا للهلاك ، اخذوا في التضرّع والدعاء ، وأرادوا القاء ما معهم من الأمتعة ، تخفيفا للسفينة ، نظروا ، فربّما رأوا أشياءً ، كالكوكب الضخم على طرف النصل ؛ فإذا رأوه ، آمنوا الغرق ، واستبشروا ، وان كان البحر يزداد غطمطا وهيجانا ؛ وربّما رأوه حينئذ في الليل ، ثلاث مرّات أو اربع ؛ ويكون ذلك في ليالي الغيم ، أكثر دون الصحو ؛ وفي مواضع من البحر ، دون آخر .
62
وقد شهد الفاضل جالينوس ، وجمهور من المتفحّصين لذلك ، وصدقوه ؛ وإذا استعين في الأدعية باشكال الكواكب ، كما يستعان فيها بالبروز إلى الصحارى ، ورفع الأصوات وتجريد الهمّ والفكرة ، كان الامر زائدا في القوّة . وقد كان قدماء أهل يونان ، إذا أرادوا الدعاء ، جعلوا المشترى في وسط السماء مع الرأس ، والزهرة في الطالع ؛ وبعضهم كان يجعل أحد السعدين في الطالع ، والآخر في الرابع ، لانّ إحداهما دليل الابتداء والآخر دليل العاقبة ؛ وبعضهم كان يجعل إحداهما في التاسع ، لانّه امر ديني ، والآخر في الرابع ، بعد ان يوافقهما ، الموضع من الفلك والشكل من الشمس ولا يعاد بهما النحسان ويسعد بهما القمر سعادة مقبولة ؛ ويجعل أيضا له بالكواكب الّذى يكون الدعاء من جنسه ، أيضا لا محمودا قويا مقبولا .
هامش
( 1 ) . إنجيل متى ، 21 / 21 - 23 .