البسيط في الانقلاب الشّتوىّ ، في أىّ موضع ، اتّفق من الأرض ، لم يخف على الراصد يوم الانقلاب ؛ ولو كان من علم الهندسة والهيئة بأبعد البعد ، لأنّ تفاضل الظّلّ البسيط مع قلّة اختلاف الميل ، إذا كان الارتفاع كثيرا . فأمّا الاعتدالان ، فإنّه لا يوقف على يوميهما ، إلّا بعد تقدّم المعرفة بعرض البلد ، والميل الكلّىّ ؛ ثمّ لا يكون ذلك ظاهرا ، إلّا لمن تأمّل الهيئة وشدا من علمها ، وعرف آلات الرّصد ونصبها والعمل بها . فكان الانقلابان لهذه الأسباب ، أولى بالابتداء من الاعتدالين ؛ وكان الصّيفىّ منهما ، أقرب إلى سمت الرّءوس الشّماليّة ، فآثروه على الشّتوىّ وأيضا ؛ فلأنّه وقت إدراك الغلّات ، فهو أصوب لافتتاح الخراج فيه من غيره . وكثير من العلماء وحكماء اليونانيّين ، أقاموا الطالع لوقت طلوع كلب « الجبّار » ؛ واستفتحوا به السّنة دون الاعتدال الرّبيعى ، من أجل أنّ طلوعه ، كان فيما مضى موافقا لهذا الانقلاب ، أو بالقرب منه .
16
وقد زال هذا اليوم - أعنى - النوروز عن وقته ، حتّى صار في زماننا يوافق دخول الشمس برج الحمل ، وهو أوّل الرّبيع ؛ فجرى الرّسم لملوك خراسان فيه ، أن يخلعوا على أساورتهم ، الخلع الربيعيّة والصيفيّة .
17
واليوم السادس منه ، وهو « روز خرداذ » النوروز الكبير ( 303 ) ، وعند الفرس عيد عظيم الشأن . قيل أن فيه : فرغ اللّه من خلق الخلائق ، لأنّه آخر الايّام الستّة المذكورة ، وفيه خلق المشترى ، وأسعد ساعاته ساعات المشترى . قالوا : وفيه وصل سهم زرادشت إلى مناجاة اللّه ، وعرج كيخسرو إلى الهواء ؛ وفيه تقسم السعادات لأهل الأرض ، ولذلك يسمّيه العجم يوم الرّجاء . وقال أصحاب النّيرنجات : من ذاق صبيحة هذا اليوم ، قبل الكلام ، السّكّر ؛ وتدهّن بالزّيت ، دفع عنه في عامّة سنته أنواع البلايا .
18
وقالوا : أنّه يرى في صبيحته على جبل بوشنج ( 304 ) شخص صامت بيده طاقة مرو ، فيظهر ساعة ، ثم يغيب ، فلا يرى إلى مثله من الحول . وذكر زادويه في كتابه : أنّ السبب فيه ، طلوع جم شيد « 1 » من ناحية الجنوبىّ - وهو « الافاهتر » ( 305 ) - وذلك أنّ اللّعين إبليس ، كان أزال البركة ، حتّى صار الناس لا يفرقون « 2 » عن الطعام والشراب ؛ ومنع الريح عن أن تهبّ ، فيبست الأشجار ، وكادت الدنيا تبطل ؛ فصار جمّ بأمر اللّه وإرشاده إلى ناحية الجنوبىّ ، يقصد مثوى
هامش
( 1 ) . داد / طز : الشمس .
( 2 ) . هن : يفترون .