تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الآثار الباقية عن القرون الخالية — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤

2

ان الفرس حين كانوا يكبسون سنيهم ، يعلمون الفصول الأربعة بشهورهم ، لتقارب الامر بينهما ؛ فكان « فروردين ماه » أول الصيف ، و « تير ماه » أول الخريف ، و « مهرماه » أول الشتاء ، و « دىماه » أول الربيع . وكان لهم فيها أيام ، يستعملونها على حسب الفصول الأربعة ؛ فلما اهمل الكبس ، اختلفت أوقاتها . فمن تلك الأيام ، ما موضوعه أمور دنياوية ، ومنها ما موضوعه أمور دينية .

3

فأما الدنياوية ، فاعياد مكرّمة وأيام معظّمة ، وضع الملوك والرؤساء فيها « آئين » بها ، يتوصّلون إلى سرور النفس ، وفرح الروح ، مع اكتساب المحمدة والثناء ، واختلاف المودّة والدعاء ؛ ورسموا فيها للعوامّ رسوما ، يشاركونهم بها في مثل ذلك من السرور ، ويظهرون عقائدهم في طاعة الملوك وخدمتهم . وكان ذلك أحد الأسباب ، الموسعة ضنك العيش على الفقراء ، والمسعفة آمال ذوى الرجاء ، والمنقذة قرينى « 1 » الهلكة من الورطة والبلاء . وسنّوا في ذلك سننا ، يأخذها الخلف عن السلف ، تبرّكا وتيمّنا وتفاؤلا .

4

وأما الدينية ) 711 . ( فوضعها « 2 » أصحاب الشرائع ، من مسنّهم « 3 » وفقهائهم والمتديّنين بدينهم ؛ والمطلوب من استعمالها ، هو مثل المطلوب الذي ذكرنا ، لكنه في الآخرة . ونحن نذكر ، ما في كلّ شهر من شهورهم ، من كلا النوعين ، ونبتدئ بأول شهورهم وهو :

5 .

فروردين ماه : وأول يوم منه « النوروز » ، وهو أول يوم من السنة الجديدة ، واسمه بالفارسية يقتضى هذا المعنى . وكان يوافق ، فيما مضى دخول الشمس برج السرطان ، بزيجاتهم ، إذا كبسوا السنين ؛ ثم يتردّد في الربيع ، إذا تأخّر ، فيكون زمانه هو الذي تخرمه السنة بأسرها - اعني - انه من نزول القطر إلى بدوّ الزهر ، ومن توريد الأشجار إلى إدراك الثمار ، ومن هيج الحيوان إلى تناسله ، ومن ابتداء النامي إلى تكامله ؛ ولذلك جعل دليلا ، على بدء العالم وخلقه .

6

وقيل انّ في هذا اليوم ، أدار اللّه الأفلاك بعد سكونها ، وسيّر الكواكب بعد وقوفها ، وخلق الشمس ، حتى صارت بها اجزاء المدّة من السنين والأيام والشهور وغيرها معلومة ، بعد ان كانت خفية ، ووقع أول العدد عليها . وفيه قالوا : خلق اللّه العالم السفلى ، وملّك كيومرث به ، فهو « جشنه » اى عيده . وقيل إنه : أول الأيام الستة ، التي خلق اللّه فيها الخلق ؛ وهو مع « المهرجان »
هامش
( 1 ) . طف : قريبى . ( 2 ) . عس / توپ : فوضعوها . ( 3 ) . عس : ملّتهم ، طف : ائمّتهم .
الآثار الباقية عن القرون الخالية — صفحة 264 | أبو ريحان البيروني / پرويز اذكائى