( 90 ) أنّه شاهد ذلك مع جماعة قصدوا كلواذا ( 301 ) ، سنة دخول عضد الدولة بغداد ، وأنّها نيران وشموع لا تحصى كثرة ، تظهر في الجانب الغربىّ من دجلة بإزاء كلواذا ، في الليلة التي يكون في صبيحتها النوروز ؛ قال : فانّ السلطان ، وضع هناك رصده ، ليتجسّسوا الحقيقة ، كيلا يكون ذلك من المجوس أمرا مموّها ؛ فلم يقفوا إلّا على أنّهم : كلّما قربوا منها ، تباعدت ، وكلّما تباعدوا ، قربت .
11
فقلت لأبى الفرج : إنّ يوم النيروز ، زائل عن مكانه ، لإهمال الفرس كبيستهم ، فلم لا يتأخّر عنه هذا الأمر ؛ وإن لم يجب تأخّر ، فهل كان يتقدّم وقت استعمال الكبيسة ، فلم يكن عنده جواب مقنع . وقال أصحاب النّيرنجات : من لعق يوم النوروز قبل الكلام - إذا أصبح ، ثلاث لعقات عسل ؛ وبخّر بثلاث قطاع من شمع ، كان ذلك شفاء من الأدواء .
12
وقد قال بعض علماء الفرس : أنّ السبب ، في تسمية هذا اليوم بالنوروز ، أنّ « الصابئة » ظهرت أيّام طهمورث ؛ فلمّا ملك جمّ شيذ ، جدّد الدين ، فسمّى ذلك الصّنيع ؛ وكان النوروز يوما جديدا ، وصيّر عيدا ، وإن كان قبله معظّما . وقد قيل في تعييده أيضا : أنّ جمّ شيذ لمّا اتّخذ العجلة ، ركبها في هذا اليوم ، وحملته الجنّ والشياطين في الهواء ، من دنباوند إلى بابل في يوم واحد ؛ فاتّخذه الناس عيدا ، لما رأوا فيه من الأعجوبة ، وترجّحوا بالارجوحات تشبّها به .
13
وزعم بعضهم : أنّ جمّ كان طوّافا في البلاد ، وأنّه لمّا أراد دخول آذربيجان ، جلس على سرير من ذهب ، وحمله الرّجال على أعناقهم ؛ فلمّا وقع عليه شعاع الشمس ، ورآه الناس ، استعظموه ، وفرحوا به ، وعيّدوا ذلك اليوم .
14
وكان النوروز فيه ، جرى الرّسم بتهادى الناس ، فيما بينهم السكّر ؛ والسبب فيه - كما حكى آذرباذ موبذ بغداد ( 55 ) - أنّ قصب السّكّر ، إنّما ظهر في مملكة جمّ يوم النوروز ، ولم يكن يعرف قبل ذلك الوقت ؛ وهو أنّه رأى قصبة كثيرة الماء ، قد مجّت شيئا من عصارتها ، فذاقها ، فوجد فيها حلاوة لذيذة ، فأمر باستخراج مائها ، وعمل منها السّكّر ؛ فارتفع في اليوم الخامس ، وتهادوه تبرّكا به ، وكذلك استعمل في المهرجان .
15
وإنّما خصّوا وقت الانقلاب الصيفىّ ، بالابتداء في السنة ( 302 ) لأنّ الانقلابين ، أولى أن يوقف عليهما بالآلات والعيان من الاعتدالين ؛ وذلك أنّ الانقلابين ، هما أوائل إقبال الشمس ، إلى أحد قطبى الكلّ ، وإدبارها عنه بعينه ؛ وإذا رصد الظلّ المنتصب في الانقلاب الصيفىّ ، والظلّ