قد حكى جبرئيل بن نوح النصرانىّ ، في جوابه عن ردّ يزدانبخت ( 276 ) على النصارى : أنّ لأحد تلامذة مانى كتابا ، يخبر فيه عن منيّته ؛ وأنّه حبس بسبب قرابة للملك ، كان زعم أنّ به شيطانا ، ووعد شفاءه فلم يقدر عليه ؛ فجعلت القيود في رجليه ، والجوامع في يديه ، حتّى مات في الحبس ؛ فنصب رأسه بباب السّرادق ، وطرحت جثّته في المدرجة ، تنكيلا وتمثيلا به .
25
وبقي من مستجيبيه بقايا منسوبة اليه ، مفترقة الدّيار ؛ لا يكاد يجمعهم موضع واحد في بلاد الإسلام ، إلّا الفرقة التي بسمرقند المعروفة بالصابئين . فامّا خارج دار الاسلام ، فإنّ أكثر الأتراك الشرقيّة ، وأهل الصين والتّبّت وبعض الهند ، على دينه ومذهبه ؛ وهم في أمره على قولين : فرقة تقول أنّه لم يكن لمانى معجزة ، وتحكى عنه أنّه أخبر بارتفاع الآيات ، عند مضىّ المسيح وأصحابه ؛ وأخرى تزعم أنّه كان ذا آيات ومعجزات ، وأنّ شابور الملك آمن به ، حين رفعه مع نفسه إلى السماء ، ووقفا بينها وبين الأرض في الهواء ، وأراه بذلك الأعجوبة . قالوا : وإنّه كان يصعد من بين أصحابه إلى السماء ، فيمكث فيها أيّاما ، ثمّ ينزل إليهم . وسمعت الاصبهبذ مرزبان بن رستم ( 265 ) يحكى أنّ سابور أخرجه عن مملكته ، أخذا بما سنّه لهم زرادشت ، من نفى المتنبّئين عن الأرض ؛ وشرط عليه أن لا يرجع ، فغاب إلى الهند والصين والتبّت ، ودعا هناك ؛ ثمّ رجع ، فحينئذ أخذه بهرام ، وقتله ، لأنّه نقض الشريطة ، وأباح الدّم .
26
وظهر بعد هؤلاء ، رجل يسمّى مزدك بن بامدادان « 1 » ( 277 ) من أهل نسا ، وكان موبذان موبذ - اى - قاضى القضاة ، في أيّام قباذ بن فيروز ؛ فدعا إلى الاثنين ، وخالف زرادشت في كثير من مذهبه ، وقال باشتراك الناس في الأموال والحرم ، فاتّبعه خلق لا يحصى . وآمن قباذ به ، فزعم بعض الفرس : أنّه لم يتبعه إلّا اضطرارا ، حين لم يأمن كثرة متّبعيه على ملكه ؛ وزعم بعضهم أنّ مزدك هذا ، كان من الدّهاة ، وأنّه لمّا علم أنّ قباذ تعجبه امرأة - كانت تحت ابن عمّه - احتال بابتداع هذا المذهب ، وإظهاره ؛ فسارع قباذ إلى قبوله ، وأمره بالكفّ عن ذبح البهائم ، حتّى يأتي عليها أجلها ؛ وقال لا يكمل لك ما أنت فيه ، دون تمكينى من أمّ أنوشروان ، حتّى أتمتّع بها ؛ فأجابه
هامش
( 1 ) . داد / طز : همدادان ، در عس / توپ : « نامداذان » هم خوانده شود .