تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الآثار الباقية عن القرون الخالية — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
أبو معشر بأن يعيش دور زحل الأوسط . قال : فقلت له - سبحان اللّه - كدخداه راجع في بحران الرّجوع في بيت ساقط من الأوتاد ( 144 ) لا يعطيه إلّا دوره الأصغر ، ويحتاج أن تنقص منه للرّجوع الخمسين ؛ فقال لي : هؤلاء أهل إقليم قد تقدّم لهم الحكم بطول الأعمار ، فكثيرا ما يعيش منه الإنسان ، عيش الهرم ؛ وصاحبهم زحل . وبلغني أنّ الانسان إذا مات فيهم ، قبل أن يبلغ دور زحل الأوسط ، تعجّبوا من سرعة موته . فإذا استولى على الكدخدائيّة زحل ، في إقليم هو له ، لم ينقص من دوره الأكبر والأوسط ، كثير نقصان ، إلّا أن يكون ساقطا . قلت : فهو ساقط . قال : هو ساقط من شكل النّظر ، وليس بساقط من التّدبير ؛ وأسرار الثاني كثيرة ، وكذلك هو في بئر تحت الأرض ، وللتّخبير « 1 » في هذه الحالة أمر عجب ؛ فأقرّوا في هذا الموضع بطول أعمار أهل إقليم دون إقليم .

17

وحكى في موضع آخر عنه ، أنّه كان حاضرا عنده ، وقد سأله أبو عصمة ( 145 ) صاحب الصفّار عن شيء ، كان يخافه في دلائل مولده ؛ فقال أبو معشر : تدرى على كم سنة مات والدك ؟ قال : نعم . قال : فهل بلغت ذلك السّنّ ؟ قال : قد جاوزته . قال : فتدرى على كم سنة ماتت أمّك ؟ قال : نعم ، قد جاوزته . قال : فتدرى كم عاش جدّك ، أبو أبيك ؟ قال : نعم ، ولم أبلغه بعد . قال : فانظر ، هل توافق هذه المخافة « 2 » التي دلّ عليها مولدك عمر جدّك ؟ قال : بلى ، هو موافق له . قال : فحقّ لك أن تخاف . ثمّ قال أبو معشر : الطّبع أغلب ، فكلّ منحسة يوافق الانسان بلوغها ، على مقدار عمر أبيه أو أمّه أو جدّه - أبى أبيه - ، فإنّه لا يجاوزها إلّا بشهادات قويّة ؛ وذلك ظاهر في الغروس والزّروع ، فإنّ منها أنواعا معروفة بالبقاء ، وأنواعا تسرع الآفات إليها ، وتقصر مدّة بقائها . فأقرّ في هذا الموضع أيضا بأنّها مجرى النّسب ؛ فإذن ما تعلّقوا به ، من قول أصحاب النّجوم باطل ، لأنّ ذلك عندهم غير ممتنع ، بل هو واجب ، كما قدّمنا .

18

وإذا كان إنكارهم ، كلّ ما لم يتّفق في زمانهم أو مكانهم ، حتى يشاهدوه ؛ ولم يكن يستحيل في العقول « 3 » كثير إنكارهم ، ولم يقرّوا بشئ غاب عنهم ؛ فإنّ الحوادث العظام ، غير متّفقة في كلّ وقت ، وإذا اتّفقت في قرن لم تتّصل بمن بعدهم ، عند مضىّ الدّهور ومرور الأحقاب ، إلّا بالأخبار وتواترها ؛ بل لو دفّقوا هذا من فعلهم ، لكانوا هم السّوفسطائيّة المحضة ، وللزمهم أن لا يصدّقوا الناس ، في كون بلدان في الأرض غير ما هم فيه ، وأمثال ذلك من الفضائح .
هامش
( 1 ) . داد / طز : للتحيّر . ( 2 ) . داد / طز : المخالفة . ( 3 ) . عس / توپ : العقل .
الآثار الباقية عن القرون الخالية — صفحة 91 | أبو ريحان البيروني / پرويز اذكائى