تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الآثار الباقية عن القرون الخالية — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
نفيها . وهذا ممّا يدخل فيه جميع الأكوان الدائرة ، من تناسل الحيوان وتلاقح الأشجار ، وبروز الزّروع والثمار منها ؛ فإنّه لو أمكن أن يخفى على انسان حالها ، ثمّ جيء به إلى شجرة متناثرة الأوراق ، فوصف له ما يصير اليه من الاخضرار ، وإبراز الزّهر والثّمار ، وغير ذلك ، لكان له مستبعدا حتّى يراها ؛ وهي العلّة الداعية إلى تعجّب أهل البلاد الشّماليّة ، من ثبات النّخل والزّيتون والآس وأمثالها ، خضرة نضرة في زمان الشّتاء ، إذ لم يعاينوا مثله في ديارهم .

13

ومنها ما يجئ في أزمنة غير منتظمة بأدوار ، لكن باتّفاق ؛ فإذا مضى الوقت الذي يتّفق فيه ، لم يبق منه إلّا الإخبار عنه ؛ فإذا وجد مع الخبر شرائط الصّحّة ، وكان قبلها ممكنا ، لم يوجد بدّ من قبوله ؛ وإن لم يتوهّم كيفيّته ، ولم يعرف علّته . ومنها ما يجيء على مثل هذه الحالة ، ولكنّها تسمّى غلط الطّبيعة ، لأجل خروجها عن النّظم الذي أجرى عليه نوعها . ولست أسمّيها بهذا الاسم ، بل بخروج المادّة عن اعتدال القدر ؛ وذلك كما يوجد من الحيوانات الزائدة الأعضاء ، حين تجد الطّبيعة الموكّلة بحفظ الأنواع على ما هي عليه مادّة زائدة ، فتهيّئ منها صورة ولا تهملها ، والحيوانات الناقصة الأعضاء ، حين لا تجد الطبيعة مادّة تتمّم منها « 1 » صورة ذلك الشّخص في نظام نوعه ، فتهيّئ له هيئة لا يضرّه معها النّقصان ؛ وتريح النّفس عليه « 2 » ، على حسب الطاقة .

14

مثال ذلك ، ما ذكره ثابت بن سنان بن ثابت بن قرّة في كتابه في التواريخ أنّه : رأى عند شير مردى « 3 » ( 138 ) ، فرّوجا هنديّا قد خرج من البيضة ، وهو تامّ كامل الخلقة ، وله في رأسه منقاران ، وثلاث أعين . وما ذكر أنّه : حمل إلى توزون ( 139 ) أيّام إمارته ، جدى ميّت وجهه مدوّر كوجه الانسان ، وفكّاه كفكّيه ، وأسنانه كأسنانه ، وعين واحدة ، وشبه الذّنب في جبهته . وما ذكر أنّه : ولد بناحية المخرّم من بغداد ، مولود ومات لوقته ، وحمل إلى عزّ الدّولة بختيار في حياة أبيه معزّ الدّولة ( 140 ) حتّى رآه ، فكان بدنا واحدا كاملا لا نقص فيه ، ولا زيادة ، إلّا أنّه كان عليه رقبتان « 4 » بارزتان ، عليهما رأسان كاملان بتخطيط تامّ ، وأعين وآذان ومنخرين وفيمن ، وكان بين الفخذين فرج كفرج الأنثى ، قد ظهر من داخله إحليل ظاهر . وما ذكر انّ بعض بطارقة الارميّة « 5 » ، أنفذ إلى ناصر الدّولة ( 141 ) في شتوة سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة ، رجلين
هامش
( 1 ) . عس : فيها . ( 2 ) . عس : عليها . ( 3 ) . داد / طز : سرّ من رأى . ( 4 ) . داد / طز : قبّتان . ( 5 ) . داد / طز : الروم .
الآثار الباقية عن القرون الخالية — صفحة 89 | أبو ريحان البيروني / پرويز اذكائى