19
ولو سمعته فيما يحكونه ، وجدتهم معتزين إلى أقاويل الهند ، ومعوّلين على مخاريق يضيفونها إليهم ، ومحتجّين دائما بوجود صنم عندهم منحوت من حجارة ، قد اجتمع في عنقه أطواق كثيرة حديديّة ؛ وهي تواريخ عشرات ألوف الهند ؛ وأنّها إذا عدّت ، بلغت مدّة من السنين عظيمة .
فإذا حدّثتهم بأنّهم - اعني الهند - يزعمون أنّ ملك جمالابدهو « 1 » ( 146 ) - وهي المدينة التي يجلب منها الإهليلج والأملج والبليلج - عاش مائتين وخمسين سنة ، يركب ويتصيّد وينكح ويجرى مجرى الشّبّان ، وكان ذلك بالعلاج ، أنكروه ؛ وقالوا : أنّ الهند ظاهرو الكذب غير محصّلين ، لانتسابهم إلى الوحي في علومهم ، فلا يوثق « 2 » بقولهم ؛ وأخذوا يذكرون ركاكة ما يذهبون اليه ، في باب الدّين والملّة والثّواب والعقاب ، وما يعلمونه من تعذيب الأبدان بصنوف العذاب . وما عنى اللّه - تعالى - إلّا هذه الفرقة بقوله :
بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ
« 3 » ، وبقوله :
وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ
« 4 » ؛ يقرّون بما يوافقهم ، وإن أخفق ؛ ويفرّون ممّا يخالف عقدهم ، وإن تحقّق « 5 » .
20
وقد وقفت لأبى عبد اللّه الحسين بن إبراهيم الطّبرىّ النّاتلىّ ( 147 ) ، على مقالة في كمّيّة العمر الطّبيعىّ ، ذكر أنّ غايته مائة وأربعون سنة شمسيّة ، لا يمكن الزّيادة عليها ؛ ومطلق القول بلا يمكن مطالب بحجّة ، تضطرّ إليها النّفس ، وتطمئنّ بها ؛ ولم يقم هو على ذلك برهانا ، سوى أنّه قدّم ، فقال : أنّ للإنسان ثلاث كمالات ، أحدها بلوغه ، وهو وقت إمكان حدوثه مثله « 6 » ، وهو رأس السابوع الثاني . والكمال الثاني ، حين تتمّ له النفس الفكريّة ، ويخرج عقله من القوّة إلى الفعل ، وهو رأس السابوع السادس . والكمال الثالث ، حين يصلح لأن يسوس نفسه ، إن توحّد ، وخاصّته إن تأهّل ، أو عامّته إن تملّك . قال « 7 » : ومجموع هذه الكمالات ، مائة وأربعون . ولا يدرى بأىّ نسبة استخرج أبو عبد اللّه هذه الأعداد ؟ فانّه لا تناسب بينها ولا بين تفاضلها ظاهرا ، بل لو سلّمنا له أنّ عدد كمالاته ثلاثة ، ثمّ عدّدنا منها ما عدّد ، وقلنا في آخر الأمر ، إن لم نخف المطالبة بالبرهان ، أنّها مائة سنة أو الف أو مثله ، لم يكن بيننا وبينه فرق ، على أنّا نجد بلوغ الإنسان في
هامش
( 1 ) . داد / طز : جمالا بدهر ، رش : ( 146 ) .
( 2 ) . عس / توپ : لا يثق .
( 3 ) . قرآن ، 10 / 40 .
( 4 ) . قرآن : 46 / 10 .
( 5 ) . داد / طز : صدق .
( 6 ) . عس / توپ : حدوث مثله منه .
( 7 ) . داد / طز : + .