تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الآثار الباقية عن القرون الخالية — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤

55

فأمّا أصحاب علم الهيئة ، ومن تأمّل الحال بعناية شديدة ، فإنّهم يعلمون أنّ رؤية الهلال ، غير مطّرد على سنن واحد ، لاختلاف حركة القمر المرئية ، بطيئة مرّة وسريعة أخرى ؛ وقربه من الأرض وبعده ، وصعوده في الشمال والجنوب ، وهبوطه فيهما ، وحدوث كل واحد من هذه الأحوال له ، في كلّ نقطة من فلك البروج . ثمّ بعد ذلك ، لما يعرض من سرعة غروب بعض القطع من فلك البروج ، وبطء بعض ، وتغيّر ذلك على اختلاف عروض البلدان واختلاف الأهوية ، إمّا بالإضافة إلى البلاد الصافية الهواء بالطّبع والكديرة المختلطة بالبخارات دائما والمغبّرة في الأغلب ، وإمّا بالإضافة إلى الأزمنة ، إذ غلظ في بعضها ، ورقّ في بعض ، وتفاوت قوى بصر الناظرين اليه في الحدّة والكلال ؛ وأنّ ذلك كلّه على اختلافه بصنوف الاقترانات ، كائنة في كلّ أوّل شهري رمضان وشوّال ، على أشكال غير معدودة ، وأحوال غير محدودة ، فيكون لذلك شهر رمضان ناقصا مرّة وتامّا أخرى .

56

وإنّ ذلك كلّه ، يتفنّن بتزايد عروض البلدان وتناقصها ، فيكون الشهر تامّا في البلدان الشمالية مثلا ، وناقصا هو بعينه في الجنوبيّة منها ، وبالعكس . ثمّ لا يجرى ذلك فيها على نظم واحد ، بل يتّفق فيها أيضا حالة واحدة بعينها ، لشهر واحد مرارا متوالية وغير متوالية . فلو صحّ عملهم مثلا بتلك الجداول والحسبانات ، واتّفق مع رؤية الهلال أو تقدّمه يوما واحدا ، كما أصّلوا ، لاحتاجوا إلى إفرادها لكلّ عرض ؛ على أنّ اختلاف الرؤية ليس متولّدا من جهة العروض فقط ، لكن لاختلاف أطوال البلدان فيها ، أوفر نصيب ؛ لأنّه ربّما لم ير في بعض البلاد ، ورأى « 1 » فيما كان أقرب منه إلى المغرب ؛ وربّما اتّفق ذلك فيهما جميعا . وذلك ممّا يحوج أيضا إلى إفراد الحساب ، والجداول لكلّ واحد من أجزاء الطّول . فإذن لا يمكن ما ذكروه من تمام شهر رمضان أبدا ، ووقوع أوّله وآخره في جميع المعمور من الأرض متّفقا ، كما يخرجه الجدول الذي يستعملونه .

57

فأمّا قولهم ، أنّ مقتضى الخبر المأثور ، تقديم الصّوم والفطر على الرّؤية ، فباطل ؛ وذلك أنّ حرف اللّام يقع على المستأنف ، كما ذكروه ، ويقع على الماضي ، كما - يقال - كتب لكذا مضى من الشهر ، اى من عند مضىّ كذا ، فلا يتقدّم الكتبة الماضي من الشهر ؛ وهذا هو مقتضى الخبر دون الأوّل . ألا ترى إلى ما روى عنه - عليه السلام - أنّه قال : « نحن قوم أمّيّون ، لا نكتب ولا نحسب
هامش
( 1 ) . عس / توپ : يرى .