تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الآثار الباقية عن القرون الخالية — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦

60

وهذه الأخبار كلّها في كتاب الشّيعة ، مقصورة على الصّوم ؛ والعجب من ساداتنا عترة الرسول - عليه وعليهم السلام - أنّهم صاروا يصغون إلى ذلك ، ويقبلونه تأليفا لقلوب جمهور المتوسّمين بتشيّعهم ، ولا يقتفون أثر جدّهم أمير المؤمنين - عليه السلام - في إعراضه عن استمالة الضالّين المعاندين ، بقوله : « ما كنت متّخذ المضلّين عضدا » . فأمّا ما روى عن الصادق أنّه قال : « إذا رأيت هلال رجب ، فعدّ تسعة وخمسين يوما ، ثمّ صم » ؛ وما رووا عنه أيضا أنّه قال : « إذا رأيت هلال شهر رمضان لرؤيته ، فعدّ ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما ، ثمّ صم في القابل ؛ فإنّ اللّه - تعالى - خلق السّنة ثلاثمائة وستّين يوما ، فاستثنى منها ستّة أيّام فيها خلق السّماوات والأرض ، فليست في العدد » . فلو صحّت الرّواية عنه ، لكان إخباره عن ذلك على أنّه أكثر في الوجود في بقعة واحدة ، ولا مطّرد في جميع البقاع ، كما ذكرنا . وأمّا تعليل الأيّام الستّة بهذه العلّة ، فتعليل ركيك ، يكذّب الرّواية وتبطل له صحّتها .

61

وقد قرأت فيما قرأت من الأخبار ( 127 ) أنّ أبا جعفر محمّد بن سليمان عامل الكوفة من جهة المنصور ، حبس عبد الكريم بن أبي العوجاء ، وهو خال معن بن زائدة ، وكان من المانويّة ؛ فكثر شفعاؤه بمدينة السلام ، وألحّوا على المنصور ، حتّى كتب إلى محمّد بالكفّ عنه ؛ وكان عبد الكريم يتوقّع ورود الكتاب في معناه ، فقال لأبى الجبّار ، وكان منقطعا اليه ، إنّ أخّرنى الأمير ثلاثة أيّام ، فله مائة ألف درهم . فأعلم أبو الجبّار محمّدا ، فقال له : ذكّرتنيه ، وقد كنت نسيته ، فإذا انصرفت من الجمعة ، فأذكرنيه . فلمّا انصرف ، ذكّره إيّاه ؛ فدعا به ، فأمر بضرب عنقه . فلمّا أيقن أنّه مقتول ، قال : « أما واللّه لئن قتلتموني ، لقد وضعت أربعة آلاف حديث ، أحرّم فيها الحلال ، وأحلّ بها الحرام ؛ ولقد فطّرتكم في يوم صومكم ، وصوّمتكم في يوم فطركم » . ثمّ ضربت عنقه ، وورد الكتاب في معناه بعده ؛ وما أحقّ هذا الرجل الملحد ، بأن يكون متولّى هذا التأويل الرّكيك الذي ذهبوا اليه وأصله .

62

وقد جرى بيني وبين أهل هذه الفرقة ، كلام في الخبر المسند ؛ فألزمته أمثال هذه اللوازم المذكورة . فأظهر في آخر الأمر ، أنّ ذلك من موجبات اللّغة ، وبينها وبين الشريعة وتوابعها بون . فقلت له : « عافاك اللّه ! وهل خاطبنا اللّه ورسوله ، إلّا باللغة المتعارف بها بين العرب ؟ وإنّما بينك وبين لغة العرب بون أبعد ، بل أنت من علم الشريعة بمعزل ، ودعها ، وارجع إلى علماء الهيئة ،