48
وكانوا في الجاهليّة ، يستعملونها على نحو ما يستعمله أهل الإسلام ؛ وكان يدور حجّهم في الأزمنة الأربعة . ثمّ أرادوا أن يحجّوا في وقت إدراك سلعهم من الأدم والجلود والثّمار وغير ذلك ، وأن يثبت ذلك على حالة واحدة وفي أطيب الأزمنة وأخصبها ؛ فتعلّموا الكبس من اليهود المجاورين لهم ؛ ولذلك قبل الهجرة بقريب من مائتي سنة ؛ فأخذوا يعملون بها ما يشاكل فعل اليهود ، من إلحاق فضل ما بين سنتهم وسنة الشمس شهرا بشهورها ، إذا تمّ ويتولّى « القلامس » « 1 » ( 14 ) من بنى كنانة ، بعد ذلك أن يقومون بعد انقضاء الحجّ ؛ ويخطبون في الموسم ، وينسئون الشّهر ، ويسمّون التّالى له باسمه ؛ فيتّفق العرب على ذلك ، ويقبلون قوله ، ويسمّون هذا من فعلهم « النّسيء » لأنّهم كانوا ينسئون أوّل السنة في كلّ سنتين ، أو ثلاث شهرا على حسب ما يستحقّه التّقدّم . قال قائلهم : « لنا ناسى تمشون تحت لوائه / يحلّ إذا شاء الشّهور ويحرم » .
49
وكان النّسيء الأوّل للمحرّم ، فسمّى صفر به ، وشهر ربيع الأوّل باسم صفر ؛ ثمّ والوا بين أسماء الشهور . وكان النّسيء الثاني لصفر ، فسمّى الذي كان يتلوه بصفر أيضا ؛ وكذلك حتّى دار « النّسيء » في الشهور الاثني عشر ، وعاد إلى المحرّم ، فأعادوا بها فعلهم الأوّل . وكانوا يعدّون أدوار النّسيء ، ويحدّون بها الأزمنة ، فيقولون قد دارت السّنون من لدن زمان كذا ، إلى زمان كذا وكذا دورة ، فإن ظهر لهم مع ذلك تقدّم شهر عن فصله من الفصول الأربعة ، لما يجتمع من كسور سنة الشمس ، وبقيّة فصل ما بينها وبين سنة القمر الذي ألحقوه بها ، كبسوها كبسا ثانيا ؛ وكان يبين لهم ذلك بطلوع منازل القمر وسقوطها ، حتى هاجر النبىّ - عليه السلام - وكانت نوبة النّسيء ، كما ذكرت ، بلغت شعبان فسمّى محرّما ، وشهر رمضان « صفر » . فانتظر النبىّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - حتى دار النّسيء ، وعادت الشهور إلى مواضعها الحقيقية ، فحجّ « 2 » حينئذ « حجّة الوداع » ( 122 ) ، وخطب للناس ، وقال فيها : « الا أنّ « 3 » الزّمان قد استدار كهيئة يوم خلق اللّه السّماوات والأرض » « 4 » ، عنى بذلك أنّ الشهور قد عادت إلى مواضعها ، وزال عنها فعل العرب بها ؛ ولذلك سمّيت حجّة الوداع « الحجّ الأقوم » ، ثمّ حرّم ذلك وأهمل أصلا .
هامش
( 1 ) . ر ش : ف 2 ، ب 8 .
( 2 ) . از « حتى . . . » تا « . . . فحج » در داد / طز ساقط است .
( 3 ) . طز : الاوان .
( 4 ) . ر ش : ف 2 ، ب 9 .