المضل ، فاختلف الناس وافترقت الملل وظهرت النحل ، وذهبت كل طائفة إلى ما علمته أنه صواب .
ولو كان ذلك العلم عند غيرها خطأ ولكن حسنه اللّه عندها ليعبدوه من الجهة التي تقتضيها تلك الصفة المؤثرة في ذلك الأمر ، وهذا معنى قوله :
ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها
هود 56
فهو الفاعل بهم على حسب ما يريد مريده ، وهو عين ما اقتضته صفاته ، فهو سبحانه وتعالى يجزيهم على حسب مقتضى أسمائه وصفاته ، فلا ينفعه إقرار أحد بربوبيته ولا يضره جحود أحد بذلك ، بل هو سبحانه وتعالى يتصرف فيهم على ما هو مستحق لذلك من تنوع عباداته التي تنبغي لكماله ، فكل من في الوجود عابد للّه تعالى ، مطيع لقوله تعالى :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ،
لأن من تسبيحهم ما يسمى مخالفة ومعصية وجحودا وغير ذلك ، فلا يفقهه كل أحد ، ثم إن النفي إنما وقع على الجملة ، فصح أن يفقهه البعض ؛ فقوله
وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
يعني من حيث الجملة ، فيجوز أن يفقهه بعضهم " ( ص 120 ) .
وبعد أن يذكر الجيلي طوائف الناس ومللهم يقول :
" فكل هذه الطوائف عابدون للّه تعالى كما ينبغي أن يعبد لأنه خلقهم لنفسه لا لهم فهم له كما يستحق ثم إنه سبحانه وتعالى أظهر في هذه الملل حقائق أسمائه وصفاته فتجلى في جميعها بذاته فعبدته جميع الطوائف " ( ص 122 ) .
ويشرح هذا المعنى تفصيليا فيقول :
" فأما الكفار فإنهم عبدوه بالذات ، لأنه لما كان الحق سبحانه وتعالى حقيقة الوجود بأسره والكفار من جملة الوجود وهو حقيقتهم فكفروا أن يكون لهم رب لأنه تعالى حقيقتهم ولا رب له بل هو الرب المطلق ، فعبدوه