قلت : إذا تكلمنا بمقياس الفطرة التي فطر الناس عليها من حب الولد والبكاء على فقده ، سيقول لنا المتصوفة : هذا حال النقص وحال العامة وربما قيل : حال المحروم والمطرود ، ولكنني سأستدل هنا بحال سيد ولد آدم بأبي وأمي هو صلى اللّه عليه وسلم ، فقد روى البخاري ومسلم من حديث أنس رضي اللّه عنه قال : دخلنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على إبراهيم عليه السلام - أي ابن رسول اللّه من مارية القبطية - فأخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إبراهيم فقبله وشمه . ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه فجعلت عينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تذرفان ، فقال له عبد الرحمن بن عوف : وأنت يا رسول اللّه ؟ فقال : ( يا ابن عوف ؟ إنها رحمة ) . ثم أتبعها بأخرى فقال : ( إن العين لتدمع ، والقلب يحزن ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون ) .
وأنا أبرأ إلى اللّه تعالى ، من أن يوصف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأي وصف فيه نقص ، ولكنني أردت أن أظهر مدى المخالفة التي وقع فيها ابن عطاء غفر اللّه له ، عندما نسب ما نسب للرجل يبكي على موت ولده ، وما هذا الذي وصل إليه ابن عطاء إلا نتيجة البعد عن السنة ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه . ويقول ابن عطاء اللّه السكندري : ( سمعت شيخنا - يقصد المرسي أبو العباس - يقول في قوله عز وجل :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها
البقرة 106 أي : ما نذهب من ولي للّه إلا ونأت بخير منه أو مثله .
( لطائف المنن صفحة : 63 ) .
ويعتبر كتاب ( الحكم العطائية ) من أشهر كتب ابن عطاء اللّه السكندري ، وقد وجد فيها ما يدل على أن ابن عطاء كغيره من غلاة الصوفية يعتقد وحدة الوجود .