" والعارف المكمل من رأى كل معبود مجلى للحق يعبد فيه ، ولذلك سموه كلهم إلها مع اسمه الخاص بحجر أو شجر ، أو حيوان أو إنسان ، أو كوكب أو ملك " ( الفصوص ص 195 ) .
ثم جعل ابن عربي بعد ذلك كفار قريش الذين تمسكوا بآلهتهم الباطلة قائلين :
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
( الزمر : 3 )
غير منكرين للّه ، بل متعجبين لأنهم وقفوا مع كثرة الصور ، ونسبوا الألوهية إليها ، ثم يزعم أن الرسول محمد صلى اللّه عليه وسلم قد جاء داعيا لهم إلى إله يعرف ، ولا يشهد . . ثم يصف ابن عربي هذا الإله قائلا :
" فدعا ( أي الرسول محمد صلى اللّه عليه وسلم ) إلى إله يصمد إليه ويعلم من حيث الجملة . . ولا يشهد ولا تدركه الأبصار ، للطفه وسريانه في أعيانه الأشياء ، فلا تدركه الأبصار كما أنها لا تدرك أرواحها المدبرة أشباحها وصورها الظاهرة ، وهو اللطيف الخبير ، والخبرة ذوق ، والذوق تجل ، والتجلي في صور فلا بد منها ، ولا بد منه ، فلا بد أن يعبده من رآه بهواه إن فهمت . . " ، ثم يقول مستهزئا بعقول الجاهلين : " وعلى اللّه قصد السبيل . . " .
وأظنك أيها القارئ قد فهمت الآن العقيدة التي دعا إليها ابن عربي والإله الذي تخيله ، وهو ما زعم أنه الروح الذي يسري في جميع الموجودات ، بل الموجودات هي صورته الظاهرة . . وهي عينه ( تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا ) ولم يكتف أن ينسب هذا إلى نفسه ، ومن شايعه ، بل زعم أن هذه هي عقيدة موسى وعيسى ومحمد ، بل وجميع الأنبياء والمرسلين الذين عرفوا الأمر على حقيقته ، وأن الرسول قد أعطاه هذا الكتاب ، ليخرج به على الناس ليبلغهم الدين الحق ، والرسالة الصحيحة ، وأنه نقل فقط ، وما تصرف في شيء ، بل سار في حدود ما أمر به ، ولم يزد حرفا واحدا .