وهذا الكلام واضح ووازنه بكلام الحلاج الآنف في شأن فرعون ، لتعلم وحدة العقيدة التي دعا إليها هؤلاء الأقوام . بقي أن تعلم إشاراته الخبيثة في كلامه ، نحو : أن فرعون كان الخليفة بالسيف ، ويعني بالخليفة قول اللّه لداود :
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ
ص 26
فيقيس الخلافة الشرعية النبوية على الملك المتسلط الفاجر ، ثم شريعة موسى عرفا ، أي ما يعرفه موسى ، ولذلك اتهم بعض الصوفية الآخرين موسى عليه السلام بالجهل ، وفرعون بالعلم والمعرفة ، فقال :
كان فرعون أعلم باللّه من موسى ، لأنه عرف حقيقة الحق ، وأما موسى فما عرف إلا وجها واحدا ، ولم يعرف أن الكل أرباب وأنهم مخلوقون في نفس الوقت ، فالإنسان عندهم هو الحق والخلق ، كما سيأتي بالنص إن شاء اللّه من كلام ابن عربي ، ولذلك قال ابن عربي معللا كلمة فرعون :
( أنا ربكم الأعلى ) أن الكل أرباب بنسبة ما ؛ وفرعون أعلى من هؤلاء الأرباب ، لأنه الملك المطاع في ذلك الوقت .
وعلى هذا فقد حكم له بالإيمان والجنة زاعما أنه آمن عندما رأى انفلاق البحر لبني إسرائيل ، فنجاه اللّه من العذاب الآخروي ، وعمته النجاة حسا ومعنى ، وأنكر على من يقول : إنه من المعذبين قائلا : " ليس لديهم نص في هذا المعنى " ، مع العلم أن اللّه يقول عنه :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ * إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ * يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ * وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ
( هود : 96 - 99 ) .
وما غاب هذا النص عن ابن عربي ، ولكنه التلبيس والثعلبية والمكر ، ومخالفة سبيل المؤمنين من أولهم إلى آخرهم .