وقيل : مثلها في إبداء الحسن وإخفاء القبيح مثل الجمرة ، لونها حسن وإنها لتحرق ، وإن عوقبت تشوفت التوبة ، وتمنت الأوبة ، وإن عوفيت ركبت هواها وأعرضت ، قال اللّه تعالى :
وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ
( 51 ) ( فصلت : 51 ) .
وقيل : مثل النفس مثل ماء واقف صاف ، إن حركته تبين ما تحته من الحمأة والنتن 23 .
وبعد أن يعرف النفس يؤدبها بالرياضات ، ولها صفتان : انهماك في الشهوات ، وامتناع عن الطاعات ، فيروضها بالمجاهدات ، وهي فطم النفس عن مألوفاتها ، وحملها على خلاف أهويتها ، ومنعها من الشهوات ، ويأخذها بالمكابدات ، وتجرع المرارات ، بكثرة الأوراد ، واستدامة الصوم والنوافل من الصلوات ، مع الندم على المخالفات ، ونقلها عن قبيح العادات 24 .
والمنهج الصوفي يعتمد أساسا على السعي إلى تزكية النفس ، ومقاومة هواها وميلها ، وكبح جماحها وأهوائها ، ورغباتها الدنيوية ، وهو إحدى الغايات الأولى للتصوف الإسلامي ، ولذلك حينما سئل أبو الحسين النوري 25 ما التصوف ؟ فقال :
ترك كل حظ للنفس .
وسئل الجنيد 26 عن التصوف ، فقال :
تصفية القلب عن موافقة البرية ، ومفارقة الأخلاق الطبيعية ، وإخماد الصفات البشرية ، ومجانبة الدواعي النفسانية ، ومنازلة الصفات الروحانية ، والتعلق بالعلوم الحقيقية ، واستعمال ما هو أولى على الأبدية ، والنصح لجميع الأمة ، والوفاء للّه على الحقيقة واتباع الرسول صلى اللّه عليه وسلم في الشريعة 27
وهذا المنهج الصوفي يعبر عنه برياضة النفس ومجاهدتها ، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى :
فَأَمَّا مَنْ طَغى ( 37 ) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 38 ) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى ( 39 ) وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ( 40 ) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى
( 41 ) ( النازعات : 37 - 41 ) وقوله سبحانه :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
( العنكبوت : 69 ) .
والصورة المثلى لمجاهدة النفس لدى الصوفية تكون بقمع النفس ، وبموت هواها ، وكبح جماحها ، ولذلك يذكر السهروردي من مقامات وأحوال السالكين : مقام من سلك طريق