- الموت الأبيض :
يعرف الصوفية الموت الأبيض بالجوع ، ويعللون ذلك بأنه ينور الباطن ، ويبيض وجه القلب ، فإذا لم يشبع السالك أو إذا كان السالك ممن لا يعرف الشبع بل لا يزال جائعا ، مات بالموت الأبيض ، فحينئذ تحيى فطنته ، لأن البطنة تميت الفطنة ، فمن ماتت بطنته حييت فطنته 42 لذلك يقول ابن عربى :
الجوع موت أبيض * وهو من أعلام الهدى
الجوع حلية أهل اللّه ، وأعنى بذلك جوع العبادة وهو الموت الأبيض 43 .
والجوع أحد أركان الطريق الصوفي الذي يتكون من أربعة أشياء : الجوع ، والعزلة ( أو الخلوة ) والسهر ، وقلة الكلام ( أو الصمت ) 44 .
فهذه الأربعة تحصن من القواطع ، فإن مقصود المريد : إصلاح قلبه ليشاهد به ربه ، ويصلح لقربه وهي جنة وحصن - كما يذكر الصوفية - بها تدفع عنه القواطع ، وتمنع العوارض القاطعة للطريق ، فإذا فعل ذلك اشتغل بعده بسلوك الطريق 45 .
والجوع أهم هذه الأركان - في نظر الصوفية - فإذا جاع المريد تبعه الأركان الثلاثة بالخاصية ، إذ الجوعان من شأنه أن يقل كلامه ، ويكثر سهره ، ويحب العزلة عن الناس .
وأنشدوا :
بيت الولاية قسمت أركانه * ساداتنا فيه من الأبدال
ما بين صمت واعتزال دائما * والجوع والسهر النزيه الغالي
وكان أبو القاسم القشيري 46 - رحمه اللّه تعالى - يقول : إنما أساس باب الطريق الجوع ، لأنهم لم يجدوا ينابيع الحكمة تحصل لهم إلا به ، وقد كانوا يتدرجون في تقليل الأكل شيئا فشيئا 47 .
ويقول سهل بن عبد اللّه التستري 48 :
لما خلق اللّه الدنيا جعل في الجوع العلم والحكمة ، وجعل في الشبع الجهل والمعصية ، وكان - رحمه اللّه تعالى - إذا جاع قوى ، وإذا شبع ضعف 49 .
وقال يحيى بن معاذ 50 : لو كان الجوع يباع في الأسواق لما كان لطلاب الآخرة أن يشتروا سواه ، وقال : لو تشفعت إلى نفسك بالملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين ، في ترك الشهوة لردّتهم أجمعين ، ولو توسلت إليها بالجوع لانقادت