اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
( الفرقان : 43 ) وأن اللّه - سبحانه - قد خلق نفسه في أصل الفطرة مستعدة لقبول فيض اللّه تعالى والدين القويم ، ومتهيئة لسلوك المنهج المستقيم ، والترقي إلى جناب القدس وحضرة الأنس . . . فمتى أخلدت النفس إلى الأرض ، واتبعت هواها ، وآثرت شهواتها على مولاها ، أمرت بقتلها بكسر شهواتها ، وقلع مشتهياتها ليصح لها البقاء بعد الفناء ، والصحو بعد المحو ، وليست التوبة الحقيقية سوى محو البشرية بإثبات الألوهية . . . وهذا صعب لا يتيسر إلا لخواص الحق ، ورجال الصدق ، وإليه الإشارة ب " موتوا " قبل أن تموتوا ، وقيل :
أول قدم في العبودية : إتلاف النفس وقتلها بترك الشهوات ، وقطعها عن الملاذ 34 .
ويستدلون كذلك بقول اللّه تعالى :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ
( الأنعام : 122 ) يعنى ميتا بالجهل فأحييناه بالعلم 35 .
قال ابن عباس - رضى اللّه عنهما - :
إن المراد بالميت : الكافر الضال ، وبالإحياء الهداية ، وبالنور : القرآن ، وبالظلمات : الكفر والضلالة 36 .
ويستدلون كذلك أيضا بأحاديث جهاد النفس وسنتحدث عنها عند الحديث عن أنواع الموت .
أنواع الموت
المصطلحات الخاصة بأنواع الموت لدى الصوفية أثرت أول ما أثرت عن حاتم الأصم 37 فهو أول من أطلقها حيث قال :
من دخل في مذهبنا هذا فليجعل في نفسه أربع خصال من الموت : موت أبيض ، وموت أسود ، وموت أحمر ، وموت أخضر .
فالموت الأبيض : الجوع ، والموت الأسود : احتمال أذى الناس ، والموت الأحمر : مخالفة النفس ، والموت الأخضر :
طرح الرقاع بعضها على بعض 38 .
ونجد هذا التصنيف عند ابن عربى ولم يضف جديدا 39 حيث قال :
" فإن لأهل اللّه أربع موتات ، موت أبيض : هو الجوع ، وموت أحمر : وهو مخالفة النفس في هواها ، وموت أخضر :
وهو طرح الرقاع في اللباس بعض على بعض ، وموت أسود : وهو تحمل أذى الخلق ، بل مطلق الخلق " 40 .
وقال : سر الموت كرباته وكشف حسراته ، فأبيضه : ألم حسى ، وأحمره :
ألم نفسي ، وأسوده مرض عقلي ، وأخضره مثل زهر النبات لما فيه من شتات 41 .