تدعونك طاعته إلى الأمن من عذابه ، ولا تدعونك معصيته إلى اليأس من رحمته ، جعلنا اللّه وإياكم حذرين من غير قنوط ، وله راجين من غير اغترار . والسلام " 43 .
ومن الوصايا التي تروى عن الحسن البصري - الذي يعده بعض الصوفية المعاصرين أعظم السلف بعد الراشدين - وصية توجه بها إلى عامة أهل عصره : " يا ابن آدم بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا ، ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعا . يا ابن آدم إذا رأيت الناس في الخير فنافسهم فيه ، وإذا رأيتهم في الشر فلا تغبطهم عليه . الثواء هنا قليل ، والبقاء هناك طويل . . . هيهات هيهات ، ذهبت الدنيا بحال بالها ، وبقيت الأعمال قلائد في أعناق بني آدم ، فيا لها موعظة لو وافقت من القلوب حياة . أما إنه لا أمة بعد أمتكم ، ولا نبي بعد نبيكم ولا كتاب بعد كتابكم ، أنتم تسوقون الناس والساعة تسوقكم ، وإنما ينتظر أو لكم أن يلحق بآخركم . من رأى محمدا صلى اللّه عليه وسلم غاديا ورائحا ، لم يضع لبنة على لبنة ، ولا قصبة على قصبة ، رفع له علم فشمر إليه . . . " 44 .
وللجنيد في هذا الجنس من القول مقام كبير 45 ، وقد تابعه القوم على هذا النهج ، ورسالة " أيها الولد " للإمام الغزالي من عيون إنتاجهم فيه ، وقد امتد تأثيرها إلى لغات غير العربية ، ولابن عربى عناية خاصة بهذا اللون ، وقد نشر له حديثا بعض ما أنتجه فيه في كتاب خاص بعنوان " الوصايا " ، ولا يزال هذا اللون من الأدب الصوفي مطرد الحياة حتى وقتنا الحاضر ، وللشيخ محمد زكى إبراهيم من معاصرينا قطعة جميلة يتضوح منها ريح الغزالي في صياغة عصرية 46 .
1 - ويبدو أن " المقامة " التي كانت يوما أحد الفنون البارزة في الأدب العربي ثم ركدت ريحها ، وإن بقيت لها أصداء معاصرة في " حديث عيسى بن هشام " وغيره ، يبدو أنه كان لها صدى في الوسط الصوفي من قديم ، ولكن بمفهوم وبصورة مختلفة عن تلك التي أبدعها الهمذاني ، فالمقامة هنا " تطلق على مجلس الوعظ الذي يضم الخليفة أو الحاكم والزاهد الذي يعظ الخليفة بناء على طلبه ، وقد تطلق على الوعظ نفسه الذي يقع في المجلس ، بينما مقامة الهمذاني وإن اتفقت معها في الدلالة على المجلس أو ما يقال فيه من قصص أو حديث تختلف عنها في
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 83
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٨٣