الإنسانية .
ولا زال التراث الصوفي يمد الأعمال " الدرامية " الشعرية بمدد موصول ، لعل من أحدثها ما كتبه الشاعر المصري صلاح عبد الصبور عن " مأساة الحرج " .
2 - ومما يتصل بهذه الصيغة التعبيرية السابقة أو يقترب منها : فن الأقصوصة الشعرية ، أو الحكاية التي تصاغ شعرا ، لتوحى بالحكمة والعبرة ، وتكون - في الوقت نفسه - معرضا لأدق الأفكار وأرق العواطف .
وسيد رجال هذا الشكل الأدبي هو مولانا جلال الدين الرومي ( ت 672 ه ) الذي يعده الكثيرون - وخاصة في الغرب - أعظم شعراء الإنسانية ، وقد سبق أن أوردنا نماذج من شعره وخاصة " المثنوى " ، الذي يعتبره هو كاشفا عن أسرار القرآن وحقائق الشرع .
ونورد هنا " لقطة " بارعة للرومي يستمدها من قصة موسى - عليه السلام - ومواجهته طغيان فرعون ، وكيف تفعل الروح فعلها على حين تعجز المادة الكسيح ، ولو تشبثت بالتهديد الأجوف الذي لا تملك سواه : " إن السحرة في عهد فرعون اللعين - حينما ناصبوا موسى العداء - جعلوه مقدما عليهم ، وقام هؤلاء السحرة بتكريمه ، ذلك لأنهم قالوا له : إن الأمر لك ، فإذا أردت فألق عصاك قبلنا .
فقال : لا ، بل ألقوا أنتم أيها السحرة مكركم أمامنا . فهذا القدر من التعظيم اشترى لهم الإيمان ، لأن قطع أيديهم وأرجلهم عن المراء " 37 .
ويلتقط هذا العبقري واقعة بسيطة أخرى تنسب إلى علي رضى اللّه عنه أنه حين واجه أحد طغاة الكفار وكاد يقضى عليه ، بصق الرجل في وجه على ، فتوقف عن ضربه قائلا : " إنه في وقت القتال - أيها البطل - حينما بصقت في وجهي ، تحركت نفسي ، ففسد طبعى ، فأصبح نصف قتالي من أجل الحق ، ونصفه من أجل الهوى . . . لقد سمع المجوسي هذا القول فتجلى النور في قلبه فمزق زناره ، وقال : لقد كنت أغرس بذور الجفاء ، وكنت أحسبك نوعا آخر من البشر ، على حين أنك كنت ميزان صفة الوحدانية ، بل إنك كنت اللسان المعبر عن كل ميزان " 38 .
وهكذا يلقط الرومي الدرر من بحر القران ، أو من سيرة النبي صلى اللّه عليه وسلم وصحبه الكرام ، ويغزل منها هذه
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 80
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٨٠