تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
المعاني الإنسانية البالغة الدقة والجمال في براعة عبقرية ، وصفاء روحي وذهني عجيبين ، وتلك إحدى عطايا الأدب الصوفي لأشكال الأدب وصيغه . 3 - وكان للصوفية في مناجاتهم لمولاهم ، وذكرهم له في الأوراد والأحزاب والأدعية والابتهالات ، رصيد زاخر من الأدب ، يتجلى في نموذج أو شكل خاص من الصياغة الفنية التي تفيض بصدق الشعور وقوة العاطفة ، والخشوع بين يدي الباري والإخبات إليه ، والخروج من كل حول وطول إلى حوله وطوله عز وجل . إن رائدهم في ذلك هو الأدعية النبوية التي تأخذ بمجامع القلوب : " اللهم إني أسلمت نفسي إليك ، ووجهت وجهي إليك ، وفوضت أمرى إليك وألجأت ظهري إليك ، رهبة ورغبة إليك ، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك ، آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت ، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت ، وما أسررت وما أعلنت ، وما أنت أعلم به منى ، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت " 39 . ولئن كان موقف الدعاء موقف تخشع وتذلل وفناء ، فإنه أيضا موقف قوة نفسية ، وأريحية روحية ، كما في الدعاء الشاذلي المشهور : " واقذف بي بالحق على الباطل فأدمغه فإذا هو زاهق " . ويبدو أن " الدعاء " صار لونا تمهيديا تصدر به الرسائل المتبادلة بين القوم ، كما يروى السراج في كتاب " اللمع " ، في باب ( المكاتبات والصدور والأشعار والدعوات والرسائل ) عديدا من " الصدور " منها خمسة للجنيد ، وثلاثة عشر لشيوخ آخرين ، وهذه الصدور عبارة عن دعاء من الشيخ للمرسل إليه - وهو غالبا أحد مريديه - " يصدر " " به الرسالة ، ولكن لأهمية الدعاء - لأنه موجه إلى اللّه تعالى ، ولالتماس البركة ورجاء الإجابة - حفظت الصدور فيما يبدو وذهبت بقية الرسائل ، وإليك نموذجا منها للجنيد - رحمة اللّه : " حاطك اللّه بحياطته التي يحيط بها المستخلصين من أحبابه ، وثبتك وإيانا على سبل مرضاته ، وأولج بك قبابا أنسه ، وأرقاك في رياض فنون كرامته ، وكلأك في الأحوال كلها كلاءة الجنين في بطن أمه ، ثم أدام لك الحياة المستخلصة من الحياة على ديمومة أبديته ، وأفردك عما لك به ، وعما له بك ، حتى تكون فردا به في دوامها ، لا أنت ولا مالك ، ولا العلم به ، ويكون اللّه وحده " .