أعماق الإنسان .
أجناس الأدب الصوفي
نريد أن نتعرض هنا - في إيجاز - لبعض الصور التعبيرية ، والأشكال الفنية ، والأغراض أو الفنون الأدبية البارزة ، التي تبدى بها وظهر فيها الفن الصوفي في مجال الأدب ، آملين أن تتاح الفرصة لتناول هذا الموضوع - من جانب المشتغلين بدراسة التصوف والأدب - على نحو أكثر تفصيلا وأحكم منهجا :
الشعر " الدرامي " :
مما يتردد في الساحة الأدبية القول بأن الشعر العربي وجداني عاطفى غنائى الطابع ، لا يكاد يتخلص من إسار العواطف الذاتية ، الشخصية أو الجماعية ، ليخرج في قالب موضوعي ، يمده الخيال الطلق بصورة قصصية ، تكون محورا أو منوالا تنسج حوله الوقائع والأحداث ، وتنتظم الأفكار والمشاعر ، فتتكشف أسرار النفوس وخفايا الضمائر ، كما هو الحال في الأدب والشعر الغربيين ، الذين تعلمنا منهما حديثا هذه الصيغة التعبيرية الموضوعية .
والحق أن هذا إن صح بالنسبة إلى الأدب العربي في محيطه الخاص ، فإنه غير صحيح فيما يتعلق بأصداء الأدب العربي وتأثيراته على الآداب الإسلامية الأخرى من حوله ، وخاصة الأدب الفارسي .
فإن هذا الأخير قد عرف - بفضل القرآن الكريم ، والأدب العربي القديم ، وبفضل التصوف أيضا - كيف يصوغ هذه النماذج الموضوعية للأدب ، ويتخطى حدود الغنائية البسيطة إلى التعبير عن العاطفة بألوانها المختلفة في صيغة درامية مركبة .
لقد استمد شعراء الفرس من تلاوتهم للقرآن وتأملاتهم فيه واتصالهم بالأدب العربي قصص يوسف وزليخا ، وسليمان وملكة سبأ ، منطق الطير ، وليلى والمجنون ، وصاغوا في إطارها أجمل الألوان الفنية ، وعبروا عن أعمق العواطف الإنسانية ، ونكتفي هنا بالإشارة إلى عملين من أخلد هذه الأعمال الأدبية :
أ - الأول " منطق الطير " الذي أبدعه خيال الشاعر الفارسي فريد الدين العطار النيسابوري ، الذي استشهد على يد المغول عام 627 ه ، واستمد نواة قصته من رسالة للإمام الغزالي عرفت بعنوان " رسالة الطير " ، وكلاهما يدور في فلك قصة سيدنا سليمان عليه السّلام كما ترويها سورة