تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
النمل بصفة خاصة ، ولكن العطار صور في قرابة خمسة آلاف بيت كيف سعت مجموعة من الطير للوصول إلى مليكهم " السيمرغ " بقيادة مرشدهم العاشق الحكيم الهدد ، وبعد التقلب في أودية العشق أو مقامات السلوك حتى مقام الفناء ، عادوا ليكتشفوا الحقيقة ، حقيقة أنفسهم : وهي " من عرف نفسه عرف ربه " 34 . ب - والثاني هو قصة ليلى والجنون التي صاغها في قالب روحي صوفي شعراء متعددون من الفرس على نحو شديد البراعة ، بحيث تحولت ليلى إلى معنى روحي هو مطلوب المريد العاشق ، وتحول المجنون إلى صوفي ، أو فنان ناله مس من الجنون المقدس ، انتهى به أيضا إلى حال الفناء ومقام التوحيد والتفريد ، " انفردت قصة المجنون وأخباره بالانتقال إلى الأدب الفارسي دون قصص بقية العذريين . . . ويرجع السبب في ذلك إلى أن كبار الشعراء الذين عالجوا تلك القصة في الأدب الفارسي كانوا من الصوفية ، وقد وجدوا في أخبار المجنون خصائص لا تتوافر في أخبار سواه من العذريين " 35 . " وقد أعطى هؤلاء الصوفية لقيس معنى العاشق الصوفي الذي ينتهى - عبر الحب الجزئي لابنة عمه - إلى العرفان والفناء عن العوالم والصور ، والتعلق باللّه عز وجل رب كل شئ ومليكه . ولعل أبرعهم في هذا التصوير العجيب هو عبد الرحمن الجامي ( ت 832 ه ) الذي بلغ في هذا المضمون الصوفي مداه ، وينفرد الجامي بين شعراء الفرس بفصل في قصته يشرح فيه كيف سما قيس بحبه عن الصورة والمادة ، وانصرف إلى التفكير في الجمال الأزلي ، فسلا بعشقه الصوفي عن حب ليلى ، فحين مثلت لديه لم يجبها إلا بعد لأي بهذه الكلمات : إليك عنى ، فقد أشعل عشقك اليوم في جوانحي نارا تلتهم أرجاء الأرض " 36 . وبهذا أمد التصوف الأدب الإسلامي بهذه الصيغ الدرامية الشعرية ، التي كانت بذورها الأولى من القرآن أو الأدب العربي القديم ، ومن جهود بعض المفكرين العرب كالغزالى ( رسالة الطير ) ، وابن سينا والسهروردي وابن طفيل ( حي بن يقظان ) . وكان للمفهوم الصوفي والروح الصوفية الفضل في تطوير هذه البذور إلى تلك الأعمال الأدبية ، التي يزدان بها تراث