وهكذا جاء الإنتاج الصوفي في الأدب يحكى أو يتمثل هذا النموذج الرباني السامي في عالمي الخلق والأمر ، لكل منهما ظاهر يشترك في إدراكه كل من رآه أو سمعه ، وباطن لا يدركه إلا من تهيأ له فصار من أهله ، ولكن الباطن لدى الصوفية يختلف عن باطن الغلاة والإسماعيلية ، فهؤلاء قصروا معرفة المرموز إليه على الإمام ، والصوفية فتحوها لكل عارف همام ، وهؤلاء لم يشترطوا التناسب بين ظاهر الوحي وباطنه وربما اكتفى بعضهم بالباطن ، والصوفية أنكروا دعوى الباطن المنافى للظاهر ، وقرروا وجوب الجمع بين الظاهر والباطن 32 .
وربما كان من المناسب هنا أن نقدم نموذجا لهذا التدرج في المعنى ذي الطبقات المتعددة ، يقول ابن عربى :
بأبى ثم بي غزال ربيب * يرتعى وسط أضلعى في أمان
من بنات الملوك من دار فرس * من أجل البلاد من أصبهان
هي بنت العراق بنت إمامي * وأنا ضدها سليل يماني
هل رأيتم يا سادتي أو سمعتم * أن ضدين قط يجتمعان
. . . ويشرحه ابن عربى نفسه هكذا : " أفدى هذا المحبوب المتجلى إلى بأبى وبنفسي ، يشير لما يطرأ عليه لو اتفق له حال الفناء ، فكنى عن هذا المحبوب بالغزال لوجهين : الواحد لاشتقاقه من الغزل ، وهو التشبيب والمحبة والنسيب ، والوجه الآخر الوحش الذي يألف القفر ، فكأنه يقول هذا المعنى المطلوب لي مولده ومقامه إنما هو القفر الذي هو مقام التجريد . . . ربيب : أي مربى ، كأنه يريد نتيجة عن مطلب الهمة . . . إلخ " 33 .
5 - والأخرى هي وضوح البعد الفكري في الأدب الصوفي ، فإذا كانت بعض أجناس الأدب تقع أحيانا في التسطيح وقرب الغور ، وتكتفى أحيانا بدغدغة العواطف الساذجة ، وتسقط أحيانا في ترديد العبارات الفارغة والشعارات المسكوكة ، فإن الأدب الصوفي بما وراءه من نظرة خاصة إلى الكون والحياة والإنسان ، وبما يثيره في قلب هذا الإنسان من معان سامية تربطه بمصدر الكون كله ، وتوثق وشائجه بكل مقومات الوجود - هو كما يعرف كل متصل به يبعد عن السطحية ، منيرا للفكرة مثيرا للعبرة ، متجاوبا مع الفطرة ، لأنه يحرك