أسرارها ، وكذلك أصحاب الحقائق يكونون محوا عن نعوت الخلائق كما قال تعالى :
وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ
( الكهف : 18 ) .
وعرف يحيى بن معاذ الولي بقوله :
الولي ريحان اللّه ، تعالى ، في الأرض ، يشمه الصديقون ، فتصل رائحته إلى قلوبهم فيشتاقون به إلى مولاهم ، ويزدادون عبادة على تفاوت أخلاقهم 11 .
وعلامة الولي عندهم أن شغله باللّه تعالى ، وفراره إلى اللّه تعالى ، وهمه إلى اللّه عز وجل ، وإذا أراد اللّه تعالى أن يوالى عبدا فتح عليه باب ذكره ، فإذا استلذ بذكره فتح عليه باب القرب ، ثم رفعه إلى مجالس الأنس به ، ثم أجلسه على كرسي التوحيد ، ثم رفع عنه الحجب وأدخله دار الفردانية ، وكشف له عن الجلال والعظمة ، فإذا وقع بصره على الجلال والعظمة بقي بلا هوى فحينئذ صار العبد زمنا فانيا ، فوقع في حفظه سبحانه ، وبرئ من دعاوى نفسه 12 ، وعندها يحدث للولي ما عبر عنه الصوفية بقولهم :
فكان ما كان مما لست أذكره * فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر
بين النبوة والولاية :
يذهب الحكيم الترمذي في مقارنته بين مقام النبوة والولاية إلى أمور غريبة حقا لا نجدها عند أحد قبله وإن كنا نلتقى بأفكاره في تراث كثير من الصوفية من بعده وخاصة ابن عربى ويشرح الترمذي لتلميذه مكان الولي بالنسبة للأنبياء بادئا بمقام محمد صلى اللّه عليه وسلم فاللّه تعالى قد اختار من خلقه رسله وأنبياءه كما اختار منهم أولياءه ولقد فضّل بعض النبيين على بعض ، فمنهم من فضله بالخلة كإبراهيم خليل اللّه ومنهم من فضله بالكلام كموسى ، ومنهم من أثنى عليه بالزبور كداود ومنهم من خصه بإحياء الموتى كعيسى عليهم الصلاة والسلام وهناك من خصه بالعصمة وحياة القلب الدائمة حتى لا يخطئ ولا يهم بخطيئة وهو محمد عليه السلام .
وكما جعل اللّه الأنبياء منازل ودرجات كذلك فضل بعض الأولياء على بعض ويبدأ الترمذي ليقارن بين خاتم الأنبياء وخاتم الأولياء منذ كان كل منهما مستقرا في علم اللّه أزلا وقبل خلق العالم إلى أن أصبح كل منهما وجودا فعليا له وظيفة دينية واجتماعية منوطة به .