تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 788

مساهمون:

ص٧٨٨
أحب إلى مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشى بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذنى لأعيذنه وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددى عن نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءلته ولا بد من ذلك " ( رواه البخاري ) . فالحديث قد بين أن الأبرار هم المتقربون إلى اللّه بأداء الفرائض فيفعلون ما أوجب اللّه عليهم ويتركون ما حرم اللّه ، ولا يكلفون أنفسهم بفعل المندوبات ولم يكفوا أنفسهم عن فعل الفضول من المباحات فهؤلاء هم أصحاب اليمين . أما السابقون المقربون فهم الذين يتقربون إلى اللّه بالنوافل بعد أداء الفرائض ففعلوا الواجبات والمسنونات والمندوبات ونزهوا أنفسهم عن فعل المكروهات بعد عزوفهم عن فعل المحرمات فلمّا تقربوا إلى اللّه تعالى بأداء النوافل أحبهم اللّه حبا تاما كما جاء في الحديث السابق : « لا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه » . والحب هنا مطلق عن كل قيد لأن هؤلاء المقربين قد أتوا بالنوافل قدر استطاعتهم وصارت المباحات في حقهم طاعة مقصودا بها التقرب إلى اللّه من ترك المكروه وفعل المندوب فصارت أعمالهم كلها عبادة للّه ولهذا كان شرابهم صرفا غير ممزوج كما هو شأن الأبرار وأصحاب اليمين ذلك لأن أعمالهم بل جميع حياتهم كانت للّه خالصة غير ممزوجة بحب غيره ولا بموالاة غيره أما الذين مزجوا في عملهم بين ما يحبه اللّه وما تحبه أنفسهم فشرابهم ممزوج من شراب المقربين بقدر ما مزجوا أعمالهم في الدنيا بالولاء والاشتغال بغير اللّه . وجاء مثل ذلك في سورة فاطر ، حيث ذكر أولياءه المقتصدين والسابقين المقربين في قوله سبحانه :
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ
( فاطر : 32 ) ، فالظالم لنفسه هم أصحاب الذنوب المصرون عليها . والمقتصد هو المؤدى للفرائض الممتنع عن المحارم والسابق بالخيرات هو المؤدى للفرائض المتقرب بالنوافل والتفاضل الكائن بين أصحاب اليمين والمقربين إنما كان بسبب كثرة الأعمال ودوام التقرب