العلوية جريا على طريقتنا المثلى ، فإن الآخرة خير لنا من الأولى " 29 .
وينبه ابن عربى قارئ شعره إلى هذه الناحية الرمزية فيه ، فيقول في هذه المقدمة : " ونبهت على هذا المقصد في ذلك بأبيات هي :
كل ما أذكره من طلل * أو ربوع أو مغان كل ما
وكذا إن قلت : ها أو قلت : يا * وألا إن جاء فيه أو أما
وكذا إن قلت هي أو قلت هو * أو همو أو هن جمعا أو هما
أو أنادى بحداة يمموا * بانة الحاجر أو ورق الحمى
أو بدور في خدور أفلت * أو شموس أو نبات أنجما
أو نساء كاعبات نهد * طالعات كشموس أو دمى
كل ما أذكره مما جرى * ذكره أو مثله أن تفهما
منه أسرارا وأنوارا جلت * أو علت جاد بها رب السما
لفؤادى أو فؤاد من له * مثل مالي من شروط العلما
فاصرف الخاطر عن ظاهرها * واطلب الباطن حتى تعلما " 30
3 - هذا الطابع الرمزى الذي نجده في الأدب الصوفي يكاد يكون قاسما مشتركا بين كل إنتاج فنى جدير باسم " الأدب " ، إذ يهرب دائما من المباشرة والجهارة ، ويعتمد الإيحاء والإشارة ، ولكن حظ الأدب الصوفي منه أكبر ، فالرمز هو الأداة المفضلة لديه للإيماء إلى المقصود ، وهذا المقصود هو دائما معنى روحي علوي ، خارج عن حدود الواقع المادي ، وإن كان بينهما نسب قريب أو بعيد يسمح بهذا الإيماء ويبرر تلك الإشارة .
ويبدو لنا أن الدافع لاتخاذ هذا " الطابع المزدوج " في التعبير الصوفي ليس هو فقط صعوبة المعاني التي يعالجها الفنان الصوفي ودقتها ، واستعصاؤها على اللغة العادية ، وضنه بها على غير أهلها . . . بل هو يتمثل أيضا في مفهوم خاص " للمحاكاة " ينفرد به الأديب الصوفي ، الذي يحرص دوما على التشبه بأخلاق " الحق " جل جلاله ، والتأمل في خلقه ، والاستغراق في أسرار وحيه .