والفرق بين هذا وبين ذاك : أن النجاسات والطهارات تدخل في العبادات ، والحظر والإباحة تقع على الأملاك ، وما وقع عليه الملك لا يبيح ذلك لأحد إلا بدليل وحجة " 47 .
وهذه الحجة الأخيرة ليست تكرارا للأولى التي وصفناها بأنها جدلية ، أي أن المقصود منها إضعاف موقف الخصم لا إبطال دعواه ؛ لأن الأخيرة تبين أنه يقبل التمسك بقاعدة الحظر والإباحة في الأجسام ، لأن خلاف الفقهاء فيها إنما هو من حيث كونها أجساما طاهرة أو نجسة ، أما من حيث كونها أشياء تتملك ويتصرف فيها فالأرجح أنها على الحظر ، لأن ما يملك لا يباح التصرف فيه من غير مالكه إلا بحجة ، ولذا احتيج في الأمور العامة المشتركة إلى الدليل الخاص : ( الناس شركاء في ثلاث : الماء والكلأ والنار ) .
ويبدو لي أن السراج كان يرد هنا على نزعة تسربت إلى التصوف ، من دعاة القرامطة وأتباعهم ، الذين قاموا بثورتهم على أسس مشابهة لهذه الدعاوى ، وكلامه عن الملكية يشى بذلك . واللّه أعلم .
الغلط في فهم فكرة " عين الجمع " :
وقد حاول أهل الإباحة ، أو دعاة التحلل من الأحكام الشرعية ، استغلال فكرة عين الجمع 48 ، أو أساءوا فهمها في الأقل ، وعن هؤلاء يقول الشيخ : " وجماعة غلطوا في عين الجمع : فلم يضيفوا إلى الخلق ما أضاف اللّه إليهم ، ولم يصفوا أنفسهم بالحركة فيما تحركوا فيه ، وظنوا ذلك منهم احترازا ( أي من إثبات السوى ) حتى لا يكون مع اللّه شئ ، سوى اللّه - عز وجل - فأداهم ذلك إلى الخروج من الملة ، وترك حدود الشريعة ؛ لقولهم : إنهم مجبرون على حركاتهم ، حتى أسقطوا اللائمة عن أنفسهم عند مجاوزة الحدود أو مخالفة الاتباع .
ومنهم من أخرجه ذلك إلى الجسارة على التعدي والبطالة ، وطمعته نفسه على أنه معذور فيما هو عليه مجبور " 49 .
ثم يتصدى للرد عليهم وبيان الثغرة التي أتوا منها ، حتى انتهوا إلى مقالة ، هي ليست باطلة فحسب ، لمخالفتها الواقع الذي يجده كل إنسان سوى من نفسه ، بل هي منطوية على سوء الأدب ؛ إذ يحمل هؤلاء المخذولون أخطاءهم على ربهم ليبرئوا أنفسهم ، فيقول : " وإنما غلط هؤلاء