ينبغي له أن يكون في الأحوال والمقامات التي بينه وبين اللّه - تعالى - كالأحرار ؛ لأن من عادة الأحرار طلب الأجرة ، وانتظار العوض على ما يعملون من الأعمال ، وليس عادة العبيد كذلك ؛ لأن العبد لا ينتظر من مولاه أجره .
وقد صنف شيخ من المشايخ كتابا في مقامات الأحرار والعبيد ، في هذا المعنى » 38 .
هذا هو أصل فكرة الحرية والعبودية ، التي تتعمق - خاصة عند الحكيم الترمذي ، والتستري - « إلى العبودة » التي هي قمة الإخبات والتسليم ، والتي هي في الوقت نفسه قمة التحرر من علائق الدنيا وتزيين الهوى والشيطان
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ
( الحجر : 42 ) .
[ ظن الفرقة الضالة بان اسم الحرية أتم من اسم العبودية ]
« فظنت الفرقة الضالة أن اسم الحرية أتم من اسم العبودية ؛ للمتعارف بين الخلق أن الأحرار أعلى مرتبة ، وأسنى درجة ، في أحوال الدنيا ، من العبيد ، فقاست على ذلك فضلّت ، وتوهمت : أن العبد ما دام بينه وبين اللّه - تعالى - تعبد ، فهو مسمى باسم العبودية ، فإذا وصل إلى اللّه فقد صار حرا ، وإذا صار حرا سقطت عنه العبودية » 39 .
ومعنى ذلك أنه غير مطالب بالطاعة أو العبادة ، وضروب التكليف على وجه العموم ، ومن ثم يرد عليهم السراج : « وإنما ضلت هذه الفرقة ؛ لقلة فهمها وعلمها ، وتضييعها أصول الدين ، خفيت على هذه الفرقة الضالة أن العبد لا يكون في الحقيقة عبدا ، حتى يكون قلبه حرا من جميع ما سوى اللّه - عز وجل - فعند ذلك يكون في الحقيقة عبد اللّه - وما سمى اللّه - تعالى - المؤمنين باسم أحسن من اسم العبد ؛ إذ يقول :
وَعِبادُ الرَّحْمنِ
( الفرقان : 63 ) . . . لأنه اسم سمى به ملائكته ، فقال :
عِبادٌ مُكْرَمُونَ
( الأنبياء : 26 ) ثم سمى به أنبياءه ورسله :
وَاذْكُرْ عَبْدَنا
( سورة ص : 45 ) . . . وقال لحبيبه وصفيه صلى اللّه عليه وسلم :
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ
( الحجر : 99 ) فكان صلى اللّه عليه وسلم يصلى حتى تورمت قدماه ، فقيل له : يا رسول اللّه ، أليس اللّه قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال : « أفلا أكون عبدا شكورا . . . » فلو كان بين خلق اللّه - تعالى - درجة أعلى من درجة العبودية لم يفت ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم واللّه جل وعلا ، كان يعطيه ذلك . وباللّه التوفيق 40 .
وقد أساءت جماعة أخرى فهم فكرة